أعمدة الرأي

د  خاطر عباس يكتب نظرة عميقة ومسؤولة في تعاطي أبناء جبال النوبة مع قضاياهم عند لقاء المسؤولين

هذا سؤال مشروع، ومؤلم في آنٍ واحد، لأنه يمس جو هر الإشكال التاريخي في علاقة أبناء جبال النوبة بمراكز القرار: هل نذهب للمسؤولين بوصفنا أصحاب قضية أم طالبي مجاملة؟
أولاً: بين منطق المسؤولية ومنطق العلاقات العامة
عند فحص أغلب اللقاءات التي تمت – خاصة في العقود الأخيرة نلحظ نمطين واضحين:
1. لقاءات بلا أجندة وطنية واضحة
تتم دون ورقة مطالب مكتوبة أو رؤيةسياسية/تنموية محددة.
يغلب عليها الخطاب العاطفي أو الشخصي لا المؤسسي.
تنتهي بـوعود شفوية
صور تذكارية
إكراميات، تذاكر سفر، أو دعم فردي محدود
هذه اللقاءات لا تُنتج سياسة ولا تُغيّر واقعاً، بل تُكرّس نظرة المركز لأبناء جبال النوبة كـمجموعات اجتماعية لا كـأصحاب حقوق سياسية وتنموية.
2. لقاءات مسؤولة (وهي الأقل)
وفي المقابل، هناك محاولات وإن كانت محدودة اتسمت بشيء من المسؤولية:
طرح قضايا الأرض، التهميش، التنمية غير المتوازنة، والتمثيل العادل.
الحديث بلغة الحقوق لا بلغة الاستعطاف.
ربط المطالب بسياق الدولة السودانية ككل، لا بعزلة جهوية.
لكن حتى هذه اللقاءات افتقرت إلى الاستمرارية وآليات المتابعة، فذابت نتائجها مع تغير الأشخاص أو تبدل المواقف السياسية.
ثانياً: لماذا تفشل معظم هذه المقابلات؟
الأسباب الجوهرية:
غياب الجسم الموحد
لا يوجد وفد دائم مفوض ببرنامج واضح ومتفق عليه.
تغليب الشخصي على العام
كثير من المشاركين يذهبون بحثاً عن:
موقع
منصب
حماية سياسية
ضعف الثقافة التفاوضية
لا تُستخدم أدوات الضغط المشروعة (إعلام، رأي عام، تحالفات).
تفتيت القضية
تتحول قضية جبال النوبة من مشروع وطني إلى مطالب مجزأة.
ثالثاً: ما الذي جنته جبال النوبة فعلياً من هذه اللقاءات؟
بمنتهى الصراحة:
المحصلة الواقعية:
لا تنمية مستدامةو لا حل جذري لقضية الأرض ،الحواكير ولا تمثيل سياسي حقيقي يعكس الثقل السكاني والتاريخي
ولا إعادة إعمار حقيقية بعد الحروب
ما تحقق بعض المكاسب الفردية ،حضور شكلي في مشهد الدولة
،استخدام رمزي لاسم جبال النوبة دون ترجمة عملية،وهذه ليست إنجازات قضية بل عوائد علاقات عامة .
رابعاً: الخلاصة المؤلمة
نعم، في كثير من الأحيان لم يتعاطَ أبناء جبال النوبة مع قضاياهم بالمسؤولية المطلوبة، بل تُركت القضايا الكبرى رهينة للقاءات بروتوكولية تنتهي بانتهاء المناسبة.
والمسؤولية هنا جماعية:
النخب السياسية
القيادات المجتمعيةالمثقفون الشباب.
خامساً: الطريق الصحيح إن أردنا التغيير
الانتقال من ثقافة الوفود إلى ثقافة المؤسسات.
كل لقاء يجب أن يسبقه:
برنامج مكتوب
سقف مطالب
آلية متابعة
رفض الإكراميات التي تُفرغ اللقاء من مضمونه السياسي.
ربط قضية جبال النوبة بمشروع بناء الدولة السودانية العادلة.
كلمة أخيرة
جبال النوبة ليست قضية شفقة ولا مناسبة علاقات عامة،
بل قضية حقوق، أرض، وهوية، ومواطنة كاملة.
وما لم ندخل على المسؤولين بهذا الوعي،
سنظل نخرج من اللقاءات أخفّ وزناً… وأثقل خيبة
بقلم/عباس ادريس جعفر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى