د.عبدالله عجلون يكتب..

ثلاث سنوات على حرب الكرامة ما بين صمود الداخل وإختبارات الخارج
في الذكرى الثالثة لحرب الكرامة يقف السودان مثقلاً بأسئلة المصير أكثر من إحتفائه بمرور الذكري، ثلاث سنوات كشفت عمق التحدي لا في ميادين القتال فحسب بل في قدرة الدولة على إعادة تعريف نفسها وسط ركام الأزمات، وبين صمود الداخل وضغوط الخارج، تتجدد معادلة معقدة، كيف تُصان الكرامة الوطنية دون أن تُستنزف البلاد؟
ومع إنعقاد مؤتمر برلين اليوم تتقاطع لحظة الذاكرة مع رهانات السياسة، ليجد السودانيون أنفسهم أمام إختبار جديد لا يقل صعوبة عن البدايات، حيث لا يكفي الصمود وحده بل يلزم الوعي بما بعده.
اليوم تمرّ الذكرى الثالثة ل“حرب الكرامة” والسودان يقف على مفترق طرق، تتنازعه آمال الصمود من الداخل وضغوط التسويات من الخارج. ثلاث سنوات لم تكن مجرد زمن عابر بل كانت إختباراً قاسياً لقدرة الدولة والمجتمع على البقاء، وإعادة تعريف معنى السيادة في زمن التدخلات الإقليمية والدولية.
في هذه الذكرى لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن السياق الأوسع حيث تتقاطع خطوط النار مع خطوط السياسة، فالحرب التي إندلعت تحت شعارات إستعادة الدولة وهيبتها، سرعان ما تحولت إلى صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية بالرهانات الإقتصادية، وتتشابك فيه مصالح الداخل مع أجندات الخارج.
اقتصادياً كانت الكلفة باهظة حيث تراجعت الإنتاجية، تعطلت سلاسل الإمداد، وإنهارت قطاعات حيوية كانت تشكل العمود الفقري للإقتصاد الوطني، ومع ذلك أظهرت بعض المجتمعات المحلية قدرة لافتة على التكيف السريع، من خلال مبادرات ذاتية لإعادة تشغيل النشاط الإقتصادي ولو في حدوده الدنيا، هذا التباين بين الإنهيار الكلي والصمود الجزئي يعكس حقيقة أن الإقتصاد ليس فقط مؤسسات بل أيضًا إرادة مجتمعية.
سياسياً تتزامن هذه الذكرى مع إنعقاد مؤتمر برلين الذي يُطرح كمنصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي السوداني، غير أن هذا التزامن يثير تساؤلات مشروعة، هل تُصاغ الحلول في العواصم الأوربية البعيدة أم في ميادين الواقع؟
وهل يمكن لأي تسوية أن تنجح دون أن تنبع من الداخل وتعكس توازناته الحقيقية؟
تجارب التاريخ القريب تشير إلى أن المؤتمرات الدولية رغم أهميتها إلا أنها كثيرا ما تعاني من فجوة التنفيذ.
فالإتفاقيات التي لا تستند إلى توافق وطني حقيقي سرعان ما تتحول إلى أوراق مؤجلة، أو إلى أدوات ضغط جديدة.
ومن هنا فإن الرهان الحقيقي لا يجب أن يكون على مخرجات المؤتمر بقدر ما يكون على قدرة السودانيين أنفسهم على صياغة مشروع وطني جامع لا يستثي أحداً.
في هذا السياق تبرز أهمية إعادة تعريف “الكرامة” التي حملت الحرب أسمها، هل الكرامة تعني الحسم العسكري فقط، أم تشمل أيضا بناء دولة عادلة قوامها سيادة حكم القانون، وإقتصاد منتج، ومجتمع متماسك؟
الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد شكل المرحلة القادمة من تاريخ السودان، كما أن الربط بين الحرب والمؤتمر يفرض قراءة نقدية للعلاقة بين الداخل والخارج، فالدعم الدولي مهما كان حجمه، لا يمكن أن يعوض غياب الرؤية الوطنية، بل إن الإعتماد المفرط عليه قد يفتح الباب لتنازلات تمس جوهر السيادة الوطنية، وفي المقابل فإن الإنغلاق الكامل يهدد بعزلة قد تعمّق الأزمة.
لذلك فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن دقيق بين الإستفادة من الدعم الدولي دون الإرتهان له والانفتاح على المبادرات الخارجية دون التفريط في القرار الوطني، وهذا يتطلب قيادة واعية، ومؤسسات قوية، ومجتمعاً يقظاً.
ختاماً هنا نحن في الذكرى الثالثة لحرب الكرامةو السودان يقف أمام فرصة لإعادة البناء، لكنه أيضاً على حافة إنزلاق جديد فإما أن تتحول هذه الذكرى إلى نقطة إنطلاق نحو السلام والإستقرار، أو إلى محطة أخرى في سلسلة الأزمات.
التحذير هنا واضح أي تسوية لا تُبنى على أسس العدالة والمشاركة والشفافية، لن تصمد طويلاً، وأي تجاهل لصوت الداخل مهما بدا ضعيفاً، سيكلف البلاد ثمناً مضاعفاً في المستقبل.
و بين ميادين الصمود وقاعات المؤتمرات يبقى السؤال مفتوحاً، هل يتعلم السودان من دروس ثلاث سنوات أم يعيد تدويرها؟ الإجابة هذه المرة لن تُكتب فقط بأهواءالساسة… بل بإرادة شعب قرر أن الكرامة لا تُستعار بل تُبنى.
فتكم بعااافية…نواصل@
