أعمدة الرأي

سعد محمد عبدالله نقد الحكومة من أجل إصلاح حالها وحال المجتمع

 

ليست هذه هي المرة الأولى التي يُطرح فيها نقد سياسي بغرض لفت إنتباه الرأي العام أو إصلاح أداء الحكومة من خلال التنوير بمكامن الخلل وتقديم بعض الأفكار البديلة، لكنها تأتي هذه المرة بقدر أكبر من الصراحة في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد وسط محيط إقليمي بالغ الإضطراب؛ فقد أفرزت الحرب القاسية، سواء في السودان أو في الإقليم، واقعًا معقدًا على مختلف المستويات، وإنعكس ذلك سلبًا على الأوضاع الأمنية والمعيشية والعلاقات الدولية، وألقى بظلاله على الشعور العام للمواطنين الذين يعيشون حالة من الإحباط والقلق، وبين ضغوط الداخل وتعقيدات الخارج، تجد الحكومة نفسها أمام تحديات جسيمة تبدأ من تدهور الإقتصاد، وتمر بانهيار مؤسسات الخدمة المدنية، ولا تنتهي عند تداعيات النزوح واللجوء التي تُعد من أكبر المشكلات في تاريخ السودان الحديث والقارة الإفريقية؛ كما تواجه الحكومة ضغوطًا متزايدة من المجتمعين الإقليمي والدولي، في وقت تتطلب فيه المرحلة توازنًا دقيقًا بين خطوط الحفاظ على السيادة الوطنية والإستجابة لمتطلبات الواقع، والتواصل المباشر والدائم مع العالم وفق خطة دبلوماسية مستنيرة، وهذا المشهد المعقد يستدعي قراءة نقدية موضوعية لا تستهدف التقليل من الجهود المبذولة أو إثارة الإحباط، بل تسعى إلى تقويم المسار وتصحيح الاختلالات مع تحديد مواقع الإنطلاق نحو المستقبل، عبر طرح رؤى عملية تسهم في إستشراف المتغيرات وتحليلها، وإستخدام نتائج ذلك في تحسين الأداء العام وتجاوز التحديات الراهنة ومعالجة جراحات الحروب، بما يحقق تطلعات الشعب السوداني في الأمن والإستقرار والتنمية والحياة الكريمة.

رغم ما تحقق من إستعادة جزئية لبعض مؤسسات الدولة، خاصة في العاصمة، وما أظهرته الحكومة من مسؤولية وطنية وقدرة على إدارة الملفات الإقتصادية والأمنية في ظروف إستثنائية غير مسبوقة، فإن هذه الجهود لا تزال دون مستوى الطموح المطلوب؛ فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إستعادة تلك المؤسسات وتشغيلها، بل في إعادة بنائها على أسس حديثة تضمن الكفاءة والشفافية والإستدامة، ومن هنا تبرز ضرورة مضاعفة الجهود لإعادة ترتيب أجهزة الدولة، وتعميد منهج السودانوية في قضايا الحقوق السياسية والمدنية، وتعميم سيادة القانون، وتطبيع الحياة العامة، وتهيئة بيئة مواتية للإستثمار المحلي والأجنبي بما يسهم في تحريك عجلة الإقتصاد الوطني وتحقيق النهضة الشاملة؛ كما ينبغي علينا وعلى الحكومة العمل على تمكين الشباب والنساء وإشراكهم بفاعلية في كابينة الحكم وعمليات الإنتاج وصنع القرار، باعتبارهم رافعة أساسية للتغيير والتحرر وقوة دافعة للتنمية في الريف والمدينة، وربما يكون من المفيد في المرحلة المقبلة دعم إنعقاد مؤتمرات شبابية ونسائية للحوار الفكري والسياسي وبلورة رؤية مشتركة لهذه الفئات حول قضايا السودان ومستقبله، ولا يقل أهمية عن ذلك الحاجة إلى تجديد الخطط والبرامج الحكومية، وتفعيل الآليات القانونية التي تعزز سيادة القانون وتكافح الفساد والمحسوبية، وصولًا إلى بناء دولة قائمة على السلام والعدالة والمواطنة المتساوية دون فرز أو تمييز.

ثمة جملة من الأسئلة الجوهرية تُطرح بإلحاح على الساحة السياسية والإعلامية في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ السودان، وتتعلق بمدى قدرة الحكومة على توسيع قاعدتها الوطنية، وترسيخ القيم التعاونية بين مكوناتها، وتوطيد الثقة بينها وبين القوى الوطنية الحية والجماهير، من خلال إطلاق حوار سوداني شامل لا يستثني إلا من يهدد أمن البلاد وإستقرارها وحرية وكرامة شعبها؛ كما يبرز تساؤل آخر حول كيفية تحديد الأولويات بشكل واقعي يضمن توفير متطلبات الحياة الأساسية للمواطنين، مثل الغذاء والدواء والمياه والكهرباء، في ظل شح الموارد وتعقيدات الأوضاع العامة، وفي الوقت ذاته، تظل مسألة دعم القوات المسلحة بمختلف تشكيلاتها أولوية قصوى في معركة الحرية والكرامة، بغية إستعادة الإستقرار وتحرير المناطق المتأثرة بالحرب، تمهيدًا لعودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم سالمين وآمنين، ولا يمكن إغفال أهمية العمل لإعادة صياغة العلاقات الخارجية للسودان من خلال حركة دبلوماسية نشطة ومتوازنة، تهدف إلى بناء علاقات شبكة متطورة إلى جانب شراكات إقتصادية ذكية مع العالم تستفيد من التحولات الدولية الراهنة، ونجاح الحكومة في التعامل مع هذه الملفات مجتمعة سيشكل معيارًا حقيقيًا لقدرتها على العبور بالبلاد نحو مرحلة جديدة أكثر إستقرارًا وتماسكًا، تضع السودان على طريق التعافي والبناء والإزدهار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى