أعمدة الرأي

شئ للوطن


م.صلاحرغريبة … يكتب
صرخات في وجه الصمت: العاملون الإنسانيون في السودان

في كل عام، يمر التاسع عشر من أغسطس كذكرى لليوم العالمي للعمل الإنساني، لكن هذا العام، يحمل هذا اليوم ثقلاً أعمق ومرارة أكبر. إنه ليس مجرد مناسبة للاحتفال، بل دعوة ملحّة لإلقاء الضوء على الأبطال المجهولين الذين يعملون في الظل، يواجهون الخطر لإنقاذ الأرواح في واحدة من أشد الأزمات الإنسانية تعقيداً في عصرنا: الحرب في السودان.
منذ اندلاع الصراع، أصبحت الأراضي السودانية مسرحاً لكابوس حقيقي، حيث تحوّل الأمل إلى يأس والبيوت إلى ركام. وفي خضم هذا الدمار، يبرز العاملون الإنسانيون كمنارات نور، يقدّمون يد العون لكل من تشتّت شمله وفقد كل ما يملك. إنهم الأطباء الذين يعملون في مستشفيات ميدانية تفتقر لأبسط الإمكانيات، والممرضون الذين يعالجون الجرحى تحت وابل من الرصاص، والمتطوعون الذين يوزعون الغذاء والماء على الجوعى والعطشى. إنهم شهود على وحشية الحرب، ومع ذلك، يظلون مصممين على دعم الإنسانية.
لكن دورهم لا يقتصر على داخل السودان فحسب. فمع تدفق مئات الآلاف من النازحين للولايات الآمنة واللاجئين والمهاجرين إلى الدول المجاورة، أصبحت ساحة العمل الإنساني تتسع لتشمل تلك البلدان، وعلى رأسها مصر. فقد استقبلت الشقيقة الكبرى أعداداً هائلة من الأشقاء السودانيين الفارين من جحيم الحرب، حاملين معهم قصصاً من المعاناة والألم.
في مصر، وجد العاملون الإنسانيون والمتطوعين وأصحاب المبادرات الانسانية أنفسهم أمام تحديات جديدة ومعقدة. فبينما كان تركيزهم الأساسي ينصبّ على الإغاثة الطارئة داخل السودان، بات عليهم الآن تقديم الدعم طويل الأمد لمجتمعات اللاجئين الكبيرة التي تحتاج إلى كل شيء: من المأوى والغذاء إلى التعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي وتوفير السكن الإنساني المناسب وتسهيلات العودة الطوعية للوطن.
إن الأدوار التي يضطلع بها هؤلاء العاملون في مصر تتجاوز المفهوم التقليدي للإغاثة. إنهم يعملون على دمج اللاجئين في المجتمع المضيف، ويوفرون لهم الدعم القانوني لتوثيق أوضاعهم، ويساعدونهم على العثور على فرص للعيش الكريم. إنهم الجسر الذي يربط بين السودانيين النازحين وبين المنظمات الدولية والمحلية، محاولين قدر الإمكان تلبية الاحتياجات المتزايدة والمتنوعة.
تخيلوا حجم الضغط الذي يواجهه هؤلاء العاملون: فهم يتعاملون مع صدمات نفسية عميقة يعاني منها اللاجئون، ويسعون لتأمين أبسط الاحتياجات الأساسية في ظل محدودية الموارد، ويواجهون أحياناً صعوبات لوجستية وبيروقراطية. إنهم يضحون بوقتهم وجهدهم، وأحياناً بسلامتهم الشخصية، من أجل إضاءة شمعة أمل في حياة أولئك الذين فقدوا كل شيء.
على الرغم من الأدوار الجسيمة التي يضطلع بها هؤلاء العاملون، إلا أن الدعم الدولي لا يزال غير كافٍ. فالأزمة السودانية لم تحظ بالاهتمام الإعلامي الذي تستحقه، مما أدى إلى نقص حاد في التمويل اللازم للمنظمات الإنسانية. هذا النقص لا يؤثر فقط على قدرتهم على تقديم المساعدات، بل يزيد من إرهاق العاملين أنفسهم، الذين يجدون أنفسهم في سباق مع الزمن لتلبية الاحتياجات المتزايدة بأقل الموارد الممكنة.
إن اليوم العالمي للعمل الإنساني يجب أن يكون مناسبة لتذكير العالم بأن الحرب في السودان ليست قضية محلية، بل أزمة إنسانية عالمية تتطلب استجابة عالمية. يجب علينا أن ندعم هؤلاء العاملين، ليس بالكلمات فحسب، بل بالدعم المادي والمعنوي. يجب أن نطالب الحكومات والمنظمات الدولية بزيادة التمويل المخصص للاستجابة للأزمة السودانية، سواء داخل البلاد أو في الدول المضيفة للاجئين.
إن واجبنا تجاه العاملين الإنسانيين ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو ضرورة حتمية للحفاظ على كرامة الإنسان. إنهم يمثلون أفضل ما فينا، وهم تذكير دائم بأن الإنسانية قادرة على الصمود حتى في أحلك الظروف.
دعونا نُحدث فرقاً حقيقياً بدعم المنظمات الإنسانية التي تعمل على الأرض، سواء في السودان أو في مصر، وان نرفع أصواتنا لزيادة الوعي بالأزمة السودانية وضرورة تقديم المزيد من المساعدات، مع دعمنا  العاملين الإنسانيين بشكل فردي، من خلال تقدير جهودهم وتوفير الدعم النفسي لهم، فعبء العمل الذي يتحملونه ثقيل للغاية.
في التاسع عشر من أغسطس، وبينما نحتفل باليوم العالمي للعمل الإنساني، دعونا لا ننسى أن الاحتفال الحقيقي يكمن في العمل. دعونا نكسر حاجز الصمت، وندعم العاملين الإنسانيين الذين يواجهون الخطر ليقدموا الأمل. دعونا نكون جزءاً من الحل، لا جزءاً من المشكلة. فما يحدث في السودان ليس مجرد حرب، بل صراع على كرامة الإنسان، والعاملون الإنسانيون هم خط الدفاع الأول عن هذه الكرامة.
Ghariba2013@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى