أعمدة الرأي

شئ للوطن

صلاح غريبة
م.صلاح غريبة … يكتب
اليوم الدولي للتعاونيات: محفز للتعافي وإعادة الإعمار في السودان

يُعدّ اليوم الدولي للتعاونيات مناسبة عالمية للاحتفاء بالدور الحيوي الذي تلعبه التعاونيات في بناء مجتمعات قوية ومستدامة. في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها السودان، وبعد سنوات من الصراعات التي أدت إلى دمار واسع وتدهور في البنية التحتية والمجتمعية، تبرز أهمية ثقافة التعاونيات كركيزة أساسية لإعادة الإعمار وتحقيق التعافي المنشود. فالتعاونيات ليست مجرد كيانات اقتصادية، بل هي منظومات اجتماعية قادرة على تجميع الجهود وتوجيهها نحو تحقيق مصالح مشتركة، وهو ما يحتاجه السودان بشدة في هذه المرحلة الحرجة.
يُعرّف التعاون بأنه نظام اقتصادي واجتماعي يستخدم الجمعية التعاونية كوحدة عمل وإدارة منظمة لمساهمات وموارد الأعضاء المالية وغير المالية، بهدف توظيفها لأغراض الإنتاج والتسويق والتوزيع والاستهلاك وغيرها. إنه نظام يشجع الادخار والائتمان، ويوزع مخاطر الاستثمار، ويحقق العدالة في الفرص والمنفعة لأعضاء الجمعية مباشرة، وللمجتمع ككل عبر تبادل المنافع والمساهمة في التثقيف والتنوير. بالتالي، تعتبر التعاونيات أداة قوية لتحقيق العدالة الاجتماعية، وهو مبدأ أساسي لبناء مجتمع متماسك ومزدهر في السودان ما بعد الحرب.
يرتبط مفهوم التعاونيات بالعمل المنظم كوسيلة إصلاحية وتصحيحية في المجتمع. التعاونيات هي نوع من التنظيم الذي يجمع جماعة من الناس طواعية، على قدم المساواة، لإعلاء شأن مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية. إنها تمكن الأفراد من تحقيق أهداف اقتصادية لا يمكن تحقيقها بالمجهود الفردي، وذلك من خلال العون والتضامن والمساعدة المتبادلة.
التعاون كظاهرة اجتماعية قديم قدم البشرية. ومع ذلك، برز العمل التعاوني بصورة واضحة في أعقاب الثورة الصناعية في أوروبا منتصف القرن الثامن عشر، كرد فعل طبيعي للمساوئ الناجمة عن فشل الرأسمالية. ففي تلك الفترة، انتشرت البطالة، وانخفاض مستوى المعيشة، واستُغل النساء والأطفال في الإنتاج بأجور زهيدة، مما أدى إلى ظهور الكثير من العلل الاجتماعية الخطيرة.
تُعدّ تجربة رواد روتشديل المنصفين في إنجلترا عام 1844 نقطة تحول في تاريخ الحركة التعاونية. حيث أسس 28 شخصًا جمعية تعاونية بجمع مبلغ رمزي، و افتتحوا متجرًا متواضعًا يوفر السلع الاستهلاكية الضرورية لعائلاتهم بأسعار معقولة ودون غش. وضع هؤلاء الرواد نظامًا داخليًا مكتوبًا لجمعيتهم، تضمن الغايات والأهداف وطرق جمع المال وتوزيع الأرباح وأسلوب الإدارة. بمرور الوقت، ومع النجاح، توسعت الجمعية لتشمل مجالات أرحب، وساهمت في إنشاء المساكن العمالية، بل وتمكنت من امتلاك أكبر أسطول تجاري بحري في العالم آنذاك.
هذه التجربة، إلى جانب انتشار التعاونيات الزراعية للتسليف والتوفير في ألمانيا، تُظهر كيف يمكن للتعاونيات أن تحقق نتائج ملموسة وتنتقل من إطار وطني إلى إطار دولي، كما حدث مع تأسيس التحالف التعاوني الدولي بلندن عام 1895. هذه الدروس التاريخية تقدم للسودان خارطة طريق واضحة لكيفية البدء في بناء حركة تعاونية قوية، تستفيد من تجارب الآخرين وتتكيف مع الظروف المحلية.
تستند الجمعيات التعاونية إلى مجموعة من المبادئ والقيم التي تضمن فعاليتها واستدامتها. وتُعرف هذه المبادئ غالبًا بـ مبادئ روتشديل السبعة:
العضوية الطوعية والمفتوحة: أي شخص يستوفي الشروط يمكنه الانضمام.
عمل الأعضاء بشكل ديمقراطي: الأعضاء يشاركون في اتخاذ القرارات.
المشاركة الاقتصادية للأعضاء: توزع المكاسب الاقتصادية بشكل متناسب مع مستوى مشاركة كل عضو.
الحكم الذاتي والاستقلال: الجمعيات التعاونية كيانات مستقلة يمتلكها ويسيطر عليها أعضاؤها.
التعليم والتدريب والإعلام: لتوعية الأعضاء والمجتمع بأهمية التعاون.
التعاون بين الجمعيات التعاونية: تعزيز الروابط بين التعاونيات المختلفة.
الاهتمام بالمجتمع: تحقيق التوازن بين الربح ومصالح المجتمع.
تستند قيم الجمعيات التعاونية إلى المساعدة الذاتية، المسؤولية الذاتية، الديمقراطية، المساواة، والإنصاف، والتضامن. ويؤمن الأعضاء المتعاونون بالقيم الأخلاقية المتمثلة في النزاهة، والانفتاح، والمسؤولية الاجتماعية ورعاية الآخرين. هذه المبادئ والقيم هي اللبنات الأساسية لبناء مجتمع سوداني جديد قائم على التكافل والتآزر، بعيدًا عن الفردية والصراع.
تتنوع الجمعيات التعاونية لتشمل العديد من المجالات، مما يجعلها حلولًا عملية لمختلف التحديات التي يواجهها السودان في مرحلة إعادة الإعمار:
الجمعيات التعاونية متعددة الأغراض: تباشر جميع أنواع النشاط الاقتصادي والاجتماعي.
الجمعيات التعاونية الاستهلاكية: توفر السلع الاستهلاكية بأسعار معقولة.
الجمعيات التعاونية الزراعية: تدعم الإنتاج الزراعي والحيواني والسمكي، وتوفر مدخلات الإنتاج والمعدات الزراعية.
الجمعيات التعاونية المهنية: تساعد صغار ومتوسطي الدخل في خفض نفقات إنتاجها وتحسين طرق بيع منتجاتهم.
الجمعيات التعاونية الخدمية: تقدم خدمات متنوعة مثل الإسكان، التعليم، النقل، التأمين، وغيرها.
يمكن للجمعيات التعاونية أن تلعب دورًا هامًا في العديد من المجالات في السودان ما بعد الحرب، منها:
توفير البيئة المناسبة لنمو وازدهار الاستثمارات المتوسطة والصغيرة.
أن تكون وعاء جيدًا لتنفيذ برامج التنمية البشرية.
أن تكون أداة فعالة لمواجهة مشكلة البطالة، خاصة بين الشباب الذين تضرروا من النزاع.
الإحلال محل الدولة في ملكية الأصول الخاضعة للخصخصة، مما يضمن مشاركة أوسع للمواطنين.
دعم وتطوير أنشطة القطاعات غير الرسمية في الاقتصاد.
المساهمة في برامج محو الأمية والإرشاد الزراعي الريفي، وهما عنصران حيويان للنهوض بالريف السوداني.
المساهمة في برامج الإصحاح البيئي مثل تدوير النفايات، مما يدعم الصحة العامة والاستدامة.
توفير التقانات الزراعية الحديثة، لزيادة الإنتاجية وتحقيق الأمن الغذائي.
التدريب والتطوير وبناء القدرات، لتمكين الأفراد والمجتمعات.
أما عن فوائد الجمعيات التعاونية، فهي تتعدد وتتفق في تحقيق آثار اقتصادية واجتماعية لأعضائها وللمجتمع ككل:
تُحدث تضامنًا بين الأعضاء، مما يعزز النسيج الاجتماعي.
تحسن الظروف الاقتصادية والاجتماعية لأعضائها، وتلغي الوسطاء أو تخفف من حدتهم.
تؤكد أن العمل الجماعي أقوى من العمل الفردي، وتستخدم أحدث الوسائل وتطبق مهارات مختلفة.
تتمتع بقدرة على تكوين الأموال الذاتية من الأسهم والاحتياطيات المالية.
تؤثر في شخصية الفرد، وتكسبه مهارات في الإنتاج والتسويق، وتؤمن احتياجاته من السلع على أساس العدالة.
إن مرحلة إعادة الإعمار في السودان ليست مجرد عملية بناء للمباني والطرق، بل هي عملية إعادة بناء للإنسان والمجتمع. وهنا يأتي دور التعاونيات كأداة لا غنى عنها. فبدلاً من الاعتماد الكلي على المساعدات الخارجية أو المبادرات الحكومية، يمكن للتعاونيات أن تمكن المواطنين من أخذ زمام المبادرة في تنمية مجتمعاتهم.
إن غرس ثقافة التعاونيات في السودان يعني تشجيع الأفراد على العمل معًا، والاستفادة من مواردهم المشتركة، وتوزيع المخاطر والفوائد بشكل عادل. هذا النهج لا يعالج المشكلات الاقتصادية فحسب، بل يعزز أيضًا الثقة المتبادلة والتضامن الاجتماعي، وهما عنصران حاسمان لمرحلة ما بعد الصراع.
على سبيل المثال، يمكن للتعاونيات الزراعية أن تساعد المزارعين على إعادة زراعة أراضيهم المتضررة، وتوفير البذور والمعدات، وتسويق منتجاتهم بشكل جماعي، مما يزيد من قوتهم التفاوضية ويحسن دخلهم. يمكن للتعاونيات السكنية أن تساعد الأسر التي فقدت منازلها في بناء مساكن جديدة بأسعار معقولة. ويمكن للتعاونيات الخدمية أن توفر الاحتياجات الأساسية مثل المياه النظيفة والتعليم والرعاية الصحية في المناطق المتضررة.
إن الاحتفال باليوم الدولي للتعاونيات يجب أن يكون حافزًا للسودان لتبني هذه الثقافة بشكل جاد وفعال. من خلال التوعية بأهمية التعاونيات، وتقديم الدعم التشريعي والمالي لها، وبناء قدرات الأعضاء، يمكن للسودان أن يخطو خطوات واسعة نحو التعافي المستدام والازدهار.
Ghariba2013@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى