أعمدة الرأي

شيء للوطن


م.صلاح غريبة … يكتب
Ghariba2013@gmail.com
الثغرة الناعمة: تحصين الجبهة الداخلية ضد الاختراق المخابراتي

تُبنى استراتيجيات الدفاع الوطني الحديثة على ركائز تتجاوز القوة العسكرية الصلبة، لتشمل حماية “المجال الحيوي” للمعلومات وصناعة القرار. ومع التطور المتسارع في وسائل التكنولوجيا والتحول الرقمي، برزت معضلة أمنية بالغة الحساسية تتمثل في “العنصر البشري المحيط بدوائر القرار”؛ هؤلاء الذين يشغلون وظائف تبدو في ظاهرها خدمية أو إدارية بسيطة، لكنهم في واقع الأمر يمثلون “الثغرة الناعمة” التي قد تؤتى من خلالها الدول، وتُسقط عبرها القلاع من الداخل.
إن أعضاء الخدمة العامة، مدنيين وعسكريين، ليسوا مجرد تروس في آلة الدولة، بل هم في المنظور الاستخباري “أهداف ذات قيمة عالية”. إن التركيز لا ينصب دائماً على المسؤول الأول، بل على المحيطين به: مديري المكاتب، أطقم السكرتارية، موظفي الأرشيف، المراسم، السائقين، وحتى أطقم الضيافة والطهاة والكوادر الطبية الخاصة.
هذه الفئات تتمتع بميزة “النفاذ غير المقيد” للمعلومات الحساسة أو التواجد الفعلي في أماكن صنع القرار. إن أجهزة المخابرات الدولية والتنظيمات الحزبية والمحلية لا تبحث دائماً عن سرقة وثيقة مشفرة، بل قد تكتفي بملاحظة انفعال مسؤول، أو سماع مكالمة عارضة، أو رصد جدول زيارات سري. ومن هنا، يصبح “العامل البشري” هو الحلقة الأضعف إذا لم يتم تحصينه بعقيدة أمنية صلبة.
في ظل التوجه العربي الشامل نحو التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، كما نلمسه في الحراك الدبلوماسي والتقني رفيع المستوى في المحافل الإقليمية، تزداد مخاطر الأمن السيبراني. إن المهندسين والفنيين العاملين في قطاع الاتصالات ليسوا بعيدين عن عين الاستهداف؛ فالاختراق لا يقتصر على “البرمجيات الخبيثة” فحسب، بل يمتد ليشمل “الهندسة الاجتماعية” التي تستهدف الفرد لتجعله بوابة لولوج الأنظمة السيادية.
إن بناء استراتيجية عربية موحدة للاتصالات والمعلومات، وتعزيز الموقف العربي في المحافل الدولية، يتطلب بالتوازي بناء “جدار حماية بشري”. فما الفائدة من تشفير البيانات إذا كان الموظف الذي يديرها يفتقر إلى الوعي بالأمن الاستخباري ومناورات التجنيد؟
لم يعد التدريب الأمني ترفاً مقتصرًا على الضباط المتخصصين، بل صار ضرورة ملحة لكل من يشغل وظيفة عامة. نحن بحاجة إلى تحويل هؤلاء الموظفين من “ثغرة محتملة” إلى “عين للوطن”. ويتطلب ذلك منهجية تدريبية تشمل برامج كشف التجنيد وتدريب الكوادر على فهم أساليب الاستدراج التي تتبعها الأجهزة الأجنبية، سواء عبر الإغراء المالي، الابتزاز العاطفي، أو الثغرات الشخصية، بالاضافة الى أمن المعلومات المادية والرقمية وتعليم أطقم السكرتارية والأرشيف كيفية التعامل مع المعلومة، ليس كـ “ورقة” بل كـ “أمن قومي”، وتنامي الحس الأمني في المحيط الخاص بتوعية السائقين والحرس وأطقم الطائرات بكيفية حماية “الصندوق الأسود” لتحركات القادة وتأمين اتصالاتهم.
إن المعركة الأمنية تبدأ من مقاعد الدراسة. لا يمكننا انتظار الفرد حتى يصبح موظفاً عاماً لنبدأ بتوعيته. إن إدراج “التربية الأمنية والإعلامية” في المناهج المدرسية والجامعية أصبح ضرورة وجودية. الهدف ليس تحويل المجتمع إلى مخبرين، بل بناء “مواطن واعي” يدرك قيمة المعلومة، ويعرف كيف يميز الشائعة، ويفهم أن الحفاظ على أمن الدولة هو جزء من انتمائه الوطني.
الخلاصة: إن حماية سيادة الدول في القرن الحادي والعشرين تبدأ من توعية “العنصر البشري” في أدق تفاصيل عمله اليومي. إن تنظيم دورات تدريبية مكثفة واحترافية لفئات الخدمة العامة هو الاستثمار الحقيقي في الأمن القومي، لضمان ألا تتحول سواعد الدولة إلى أدوات في أيدي خصومها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى