شيء للوطن

م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
إيجبس 2026: بوابة السودان لطاقة الإعمار
بينما تشرق شمس القاهرة يوم الثلاثاء 30 مارس 2026، معلنةً انطلاق النسخة التاسعة من مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة “إيجبس 2026″، تتجه أنظار القارة السمراء والمجتمع الدولي نحو هذا المحفل الذي تجاوز بمرور السنين كونه مجرد منصة تجارية، ليصبح بوصلة ترسم خارطة طريق الطاقة في منطقة حوض المتوسط وشمال أفريقيا. ولكن بالنسبة للسودان، فإن “إيجبس 2026” ليس مجرد فعالية إقليمية عابرة، بل هو شريان حياة استراتيجي ومنصة محورية في لحظة فارقة من تاريخه الحديث.
تأتي مشاركة السودان في هذه النسخة، التي تُقام تحت رعاية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وبحضور دولي رفيع المستوى، في وقت يخوض فيه السودان غمار معركة لا تقل ضراوة عن الحرب؛ وهي معركة “إعادة الإعمار”. إن الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة البناء يتطلب، قبل كل شيء، تأمين مصادر مستقرة ومستدامة للطاقة، وهي الركيزة الأساسية لتدوير عجلة المصانع، وإعادة تشغيل المشروعات الزراعية الكبرى، وتحديث البنية التحتية المنهكة.
,تمثل المشاركة السودانية في هذا المحفل العالمي فرصة ذهبية لتحقيق مكاسب استراتيجية فورية وبعيدة المدى، يمكن تلخيصها في الشراكات التكنولوجية والتمويلية، حيث يوفر المؤتمر فرصة لقاء الرؤساء التنفيذيّين لكبرى شركات الطاقة العالمية. السودان يحتاج اليوم إلى الخبرات التكنولوجية المتطورة لترميم منشآته النفطية ومحطات الطاقة التي تضررت، و”إيجبس” هو المكان الأمثل لإقناع كبار المستثمرين بأن السودان “مفتوح للأعمال” ومستعد لاستقبال الاستثمارات الجريئة، بالاضافة الى الاستفادة من التجربة المصرية. نجحت الدولة المصرية في التحول إلى مركز إقليمي لتداول الطاقة، وهي تجربة يمكن للسودان استنساخ ملامحها، خاصة في مجالات الربط الكهربائي وتطوير الحقول المتقادمة. وجود القيادة السودانية جنباً إلى جنب مع القيادة المصرية في هذا المؤتمر يعزز من فرص التكامل الطاقي بين البلدين، الى جانب توطين الطاقة النظيفة، حيث يرفع المؤتمر هذا العام شعار “الانتقال الطاقي من خلال التعاون والعمل والواقعية”. والسودان، بما يملكه من مساحات شاسعة ومعدلات سطوع شمسي هي الأعلى عالمياً، يمكنه من خلال “إيجبس” عقد صفقات لمشروعات الطاقة المتجددة التي تخدم المناطق النائية المتضررة من النزاعات بسرعة وكفاءة.
يُنتظر من الوفد السوداني المشارك أن يطرح ملفات استثمارية نوعية تخاطب احتياجات مرحلة إعادة الإعمار، ومن أبرزها، تطوير الحقول المكتشفة وغير المستغلة يمتلك السودان مربعات (Blocks) نفطية وغازية واعدة في مناطق برية وبحرية، تحتاج إلى رؤوس أموال وتقنيات حفر حديثة لزيادة الإنتاج الوطني وتحويله إلى مصدر للعملة الصعبة، بالاضافة الى الاستثمار في مشروعات تكرير وتخزين المواد البترولية، وإعادة تأهيل مصفاة الجيلي وتطوير مستودعات التخزين الاستراتيجية تمثل فرصاً استثمارية عالية الربحية للمستثمرين الباحثين عن عوائد مستقرة في سوق متعطش، وطرح مناقصات لإنشاء محطات طاقة شمسية كبرى (Utility-scale) لربطها بالشبكة القومية، مما يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري المكلف ويوفر طاقة أرخص للصناعات التحويلية. بالاضافة الى طاقة الرياح وخاصة في سواحل البحر الأحمر، والربط الكهربائي الإقليمي، بتعزيز استثمارات خطوط الربط مع مصر وإثيوبيا، مما يجعل السودان حلقة وصل محورية في تجارة الطاقة بين شرق أفريقيا وشمالها.
إن حضور السودان في “إيجبس 2026” هو إعلان صريح عن إرادة البناء وتجاوز الصعاب. فإذا كانت السياسة تفرق أحياناً، فإن “الطاقة” وتحديات التنمية هي ما يجمع الشعوب ويخلق المصالح المشتركة. السودان اليوم لا يبحث عن منح، بل يبحث عن شركاء حقيقيين في مسيرة إعمار ستغير وجه المنطقة.

