أعمدة الرأي

.عبدالله عجلون يكتب  الرشد الإقتصادي … حين يصبح الوعي المالي شرطاً لنجاة الدولة والمجتمع

 

في أزمنة الأزمات الإقتصادية لا يكفي أن تمتلك الدول الموارد أو الإمكانات بل يصبح السؤال الأهم: كيف تُدار هذه الموارد؟ هنا يبرز مفهوم الرشد الإقتصادي والذي يعني (حسن إدارة وإستغلال الموارد المالية والمادية المتاحة بطريقة عقلانية تحقق أفضل منفعة ممكنة، مع تجنب الهدر والإسراف، بما يضمن تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة للفرد والمجتمع والدولة)
وهو بوصلة توجه سلوك الدولة والمجتمع والفرد نحو الإستخدام الأمثل للموارد المحدودة. فالأزمات في كثير من الأحيان لا تنشأ فقط من الفقر في الموارد بل من سوء إدارتها.
الرشد الاَإقتصادي للدولة يبدأ من السياسات العامة.
فالدولة الراشدة إقتصادياً هي التي توازن بين الإنفاق والإيرادات، وتضع أولويات واضحة لمواردها المحدودة، عندما تُوجه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة والبنية التحتية، فإنها تخلق دورة إقتصادية حقيقية تولد فرص العمل وتزيد الإنتاج، أما عندما يذهب الجزء الأكبر من الإنفاق إلى الإستهلاك غير المنتج أو الصرف الإداري المتضخم، فإن الإقتصاد يدخل دائرة العجز والتضخم.
إن الرشد الإقتصادي للدولة يعني أيضًا الانضباط المالي، والشفافية في إدارة المال العام، ومحاربة الهدر والفساد، فكل جنيه يُهدر في غير موضعه هو في الحقيقة فرصة ضائعة لمستشفى أو مدرسة أو طريق معبد، أو مشروع إنتاجي، كما أن التخطيط الإقتصادي الرشيد يقتضي تبني سياسات مستقرة تشجع الإستثمار والإنتاج، بدل القرارات المتقلبة التي تربك الأسواق وتضعف ثقة المستثمرين.
أما على مستوى المجتمع، فإن الرشد الإقتصادي يتجلى في ثقافة العمل والإنتاج قبل الإستهلاك. فالمجتمعات التي تقدّم قيمة العمل وتدعم الإنتاج المحلي تكون أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات، في المقابل فإن إنتشار ثقافة الإستهلاك المفرط والاعتماد على السلع المستوردة يضعف الإقتصاد الوطني ويستنزف موارده من النقد الأجنبي.
كما أن المؤسسات الإقتصادية سواء كانت شركات أو بنوكاً أو منظمات مطالبة هي الأخرى بممارسة الرشد الإقتصادي عبر الإدارة الكفؤة للموارد، والتخطيط السليم للمشروعات، والإعتماد على دراسات الجدوى قبل اتخاذ القرارات الإستثمارية فالقرار الإقتصادي غير المدروس قد يتحول إلى عبء مالي طويل الأمد.
أما الفرد فهو الحلقة الأساسية في منظومة الرشد الإقتصادي، فالإدارة الحكيمة للدخل الشخصي، والإبتعاد عن الإستهلاك غير الضروري، والإدخار للمستقبل كلها ممارسات تعزز الإستقرار المالي للفرد والأسرة. كما أن الإستثمار في التعليم والمهارات يمثل أحد أهم أشكال الرشد الإقتصادي على المستوى الشخصي،َ لأنه يرفع من القدرة الإنتاجية ويزيد فرص الدخل.
وفي الحقيقة فإن الإقتصاد لا يُبنى فقط بالسياسات الحكومية بل بسلوكيات الناس اليومية، حين يشتري الفرد ما يحتاجه فقط، ويدخر جزءاً من دخله، ويفكر في الإستثمار بدل الإستهلاك، فإنه يساهم – ولو بشكل غير مباشر – في إستقرار الإقتصاد الكلي.
إن الرشد الإقتصادي ليس شعاراً نظرياً بل منظومة متكاملة تبدأ من قمة هرم الدولة ولا تنتهي عند سلوك الفرد في حياته اليومية، وعندما تتكامل هذه الحلقات الثلاث – الدولة والمجتمع و الفرد – يصبح الإقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الصدمات وتحقيق التنمية المستدامة،
لكن السؤال الذي يظل مطروحاً:
هل يمكن أن يتحقق الرشد الإقتصادي في واقعنا إذا لم يتحول إلى ثقافة عامة تلتزم بها الدولة، ويؤمن بها المجتمع، ويمارسها الفرد في كل تفاصيل حياته؟ أم سنظل ندور في دائرة الأزمات ذاتها، بينما الحل يبدأ من تغيير طريقة تفكيرنا في المال والموارد؟
فتكم بعااافية… نواصل@
9/3/2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى