أعمدة الرأي

عبدالله عجلون يكتب *السيارات الكهربائية في السودان … هل تكون طوق النجاة من نار الوقود الملتهبة؟*

 

مع كل موجة إرتفاع في أسعار الوقود في السودان يتجدد الجدل حول مستقبل قطاع النقل وإمكانية البحث عن بدائل أكثر استقراراً وأقل تكلفة، فقد أصبحت أسعار البنزين والجازولين تشكل عبئاً متزايداً على
الحكومة و المواطنين والإقتصاد معاً، خاصة في ظل الأزمات الإقتصادية وتقلبات سعر الصرف والحروب الإقليمية والدولية، وفي ظل هذا السياق بدأت السيارات الكهربائية تفرض نفسها كخيار عالمي واعد، يثير تساؤلاً مهماً: هل يمكن أن تكون هذه التقنية جزءاً من الحل لأزمة الوقود في السودان؟
لقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة توسعاً كبيراً في إنتاج وإستخدام السيارات الكهربائية مدفوعاً بإرتفاع أسعار النفط والإهتمام المتزايد بالطاقة النظيفة وتقليل الإنبعاثات، لأن هذه السيارات تعتمد على بطاريات قابلة للشحن بدلاً من الوقود التقليدي، وهو ما يجعل تكلفة تشغيلها أقل نسبياً مقارنة بالسيارات العاملة بالبنزين أو الديزل.
وهنا لابد أن نشير لمزايا إقتصادية محتملة
بالنسبة للسودان، إذ يمكن أن يمثل إنتشار السيارات الكهربائية فرصة إقتصادية مهمة، فالبلاد تعتمد بدرجة كبيرة على إستيراد الوقود مما يجعل الإقتصاد عرضة لتقلبات الأسعار العالمية وضغوط النقد الأجنبي، وبالتالي فإن تقليل الإعتماد على الوقود المستورد يمكن أن يخفف الضغط على الميزان التجاري ويحد من إستنزاف العملات الصعبة الشحيحة اصلا نسبة لقلة الصادرات.
كما أن تكلفة تشغيل السيارة الكهربائية أقل بكثير على المدى الطويل، فبدلاً من دفع مبالغ كبيرة لتعبئة الوقود بصورة يومية أو أسبوعية، يمكن شحن السيارة بالكهرباء بتكلفة أقل نسبياً، خاصة إذا تم تطوير مصادر الطاقة المحلية مثل الطاقة الشمسية، و التي يمتلك السودان إمكانات كبيرة فيها بحكم موقعه الجغرافي وارتفاع عدد ساعات سطوع الشمس، ومن المزايا أيضاً إنخفاض تكاليف الصيانة، إذ إن السيارات الكهربائية تحتوي على عدد أقل من الأجزاء المتحركة مقارنة بمحركات الإحتراق الداخلي، مما يقلل من الأعطال وتكاليف الإصلاح، وهذا عامل مهم في بيئة إقتصادية يعاني فيها المواطن من إرتفاع أسعار قطع الغيار والصيانة المتكررة.
مع ذلك هناك تحديات واقعية أمام الإنتشار
رغم هذه المزايا، فإن إنتشار السيارات الكهربائية في السودان لا يزال يواجه تحديات كبيرة، أول هذه التحديات يتمثل في ضعف البنية التحتية الكهربائية، حيث تعاني البلاد من إنقطاعات متكررة في التيار الكهربائي، الأمر الذي قد يحد من قدرة المستخدمين على شحن سياراتهم بشكل منتظم،
كما أن غياب محطات الشحن العامة يمثل عقبة حقيقية، فنجاح تجربة السيارات الكهربائية في أي دولة يعتمد على وجود شبكة واسعة من نقاط الشحن في المدن والطرق الرئيسية، وفي السودان ما زال هذا المفهوم في مراحله الأولى ولم يتحول إلى مشروع وطني واضح المعالم، إلى جانب ذلك تبقى تكلفة شراء السيارة الكهربائية مرتفعة نسبياً مقارنة بالسيارات التقليدية، وهو ما قد يجعلها بعيدة عن متناول شريحة واسعة من المواطنين. كما أن نقص الخبرات الفنية وورش الصيانة المتخصصة في هذا النوع من السيارات يمثل تحدياً إضافياً في المرحلة الحالية،
لكن هذا المجال فرصة لبناء رؤية مستقبلية
ورغم هذه التحديات آنفة الذكر، فإن إدخال السيارات الكهربائية إلى السوق السوداني يمكن أن يكون بداية لتحول مهم في قطاع النقل والطاقة، فمع التخطيط السليم يمكن للحكومة والقطاع الخاص العمل معاً لتشجيع هذا التحول من خلال تقديم حوافز جمركية وضريبية، وإنشاء محطات شحن تدريجية في المدن الكبرى، إضافة إلى الإستثمار في الطاقة المتجددة وخاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
كما يمكن للجامعات ومراكز البحث العلمي أن تلعب دوراً في تطوير حلول محلية منخفضة التكلفة، سواء في مجال الشحن أو صيانة البطاريات، بما يفتح الباب أمام صناعة وخدمات جديدة داخل الإقتصاد الوطني.
في نهاية المطاف قد لا تكون السيارات الكهربائية حلاً سحرياً فورياً لأزمة الوقود في السودان، لكنها تمثل خطوة نحو مستقبل أكثر استقراراً وكفاءة في قطاع النقل، وإذا ما تم التعامل مع هذا التحول برؤية إستراتيجية، فقد يتحول التحدي الحالي إلى فرصة حقيقية تضع السودان على طريق إقتصاد طاقوي أكثر تنوعاً وإستدامة.
فتكم بعااافية… نواصل@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى