قراءات

د. الباشا برشم … يكتب
قراءة ثانية في قصيدة (كم خذلوني)
للشاعرة العربية السورية (وفاء دلا)
حدثت تحولات فنية وجمالية كثيرة للقصيدة العربية منذ عام ١٩٤٧م بظهور قصيدة الكوليرا للشاعرة العراقية نازك الملائكة التي تعاطفت فيها مع المصريين حين حلْ بهم وباء الكوليرا. ومنذ ذلك الحين تجاوزت القصيدة الحرة القصيدة العربية التقليدية عن طريق تكسير شكلها النمطي الصارم وبنيتها الفنية المتوارثة منذ أقدم العصور الأدبية سواء على مستوى المعجم أو مستوى الإيقاع أو مستوى الصورة أو مستوى الدلالة.
الشاعرة (وفاء دلا) تنتمي إلى مدرسة الشعر الحر، وهي من الأصوات النسوية الصادحة التي انخرطت في هذه المغامرة الفنية. وكانت أعمالها الأدبية التي تتسم بالصور الحسية والبلاغية الرائعة والرؤية العميقة إلى الكون والحياة والإنسان والطبيعة، كانت ذات يوم موضوعاً لرسالة دكتوراه بعنوان (الرؤية في الشعر النسوي العربي المعاصر، الشاعرة السورية وفاء دلا أنموذجاً) للدكتور العراقي باسم ناظم سليمان المولى.
ودائماً ما تدهشنا الشاعرة وفاء بخلق شعري جديد بِكر. ومثل هذا النص يحتاج لأكثر من قراءة واحدة ولأكثر من قارئ فرد؛ وذلك لما يكتنفه من غموض وجمال خفي يحض على التأويل والتأمل والنظر بزوايا متعددة.
على كل سأقول ما تيسر وإن كان في حسبان (جهد المقِل) وليمسك الآخرون من بعدي بالمغزل حتى تكتسي العظام لحماً.
كم خذلوني
كم أنا نسّاءة
ما بين البيت الأول والعنوان، يتجلى الذنب والغفران، في مشهد تراجيدي مضغوط وموجز للغاية وهذا يمثل قمة البلاغة، والإيجاز من علم المعاني ويعني الإتيان بالكثير من المعاني في قليل من الألفاظ.
خطت الشاعرة الخطوة الأولى مستخدمة (كم الخبرية) لتدلل على فرط الخذلان والأوجاع التي أحلّت بها من الآخرين، ثم أتت برد الفعل الجميل جداً مكررة ذات (كم الخبرية) مع صيغة المبالغة (نسّاءة) لتخبرنا بمدى ما يحمله قلبها من صفح وغفران تجاه من أرادوا لها الأذى، يا له من قلب أبيض بلا دنس ناسٍ لكل جرعات الألم!
بالطبع لن ينسى القلب كل شيء إلا وكان في تعداد السهاة، فهنالك اللحظات الحالمة التي تلازم الإنسان مدى العمر، مثل ما قاله الشاعر علي عمر قاسم:
قتاتي الحنظل المطحون والعلقم
وطعم الدم
إن أنساها هاتيك العيون
وأسدل النسيان
أعبرها بحار ندم
أقيم شواهد الموتى توابيتاً
بقايا صنم
ومن جماليات الصور البيانية نقف مع الاستعارة في قولها: (يغزلني الفراغ رواية، نزفت بقايا الدمع حبرا في السطور، عقارب الأيام) وكذلك لا تفوتنا حلاوة القوافي الداخلية التي تزيد موسيقى الشعر طعماً: الأيام كالأحلام.
وفي عنفوان الدهشة تنقلنا إلى توقف الزمن -الذي يكثر ذكره عند شعراء اللوعة والشجن- في قولها:
وعقارب الأيام كالأحلام
حيث توقفت قبل العبور
أواه من هذا الشعور
توقف الزمن وبطئه تغنى به كُثْرٌ، كما في الموشح:
يا ليل الصب متى غده
أقيام الساعة موعده
أو كقول أمل دنقل:
أبحث عن ثدي يرضعني
فأنا جائع
والليل كعمر الأموات طويل
جنحت الشاعرة إلى أسلوب التناص وهو شائع بين شعراء الحداثة والذي عرفته جوليا كريستيفا بأنه “يعني حرفياً تداخل النصوص الأدبية وتشابكها بحيث يغدو النص أي نص، هو محصلة لنصوص أخرى، وعى الكاتب بذلك أم لم يع” ، حيث تناصّت مع القرآن الكريم ممثلة حالها بحال سيدنا يوسف عليه السلام وظلم ذوي القربى وخذلانهم، وهذا يدل على مدى اطلاع وثقافة الشاعرة الدينية والتراثية والاستفادة من قصص الأولين واستخدامها كوجه فني بلون معاصر في الأدب.
يحلو العيش للشاعرة بين اليقظة والسهو المتعمد، ومما يدل على ذلك ذكرياتها التي تتداعى مشبهة لها مرة بالشظايا من قسوتها ومرة بكرات الثلج في يد الصبيان، إنه تشبيه تمثيل رائع، وهنا يتجلى أسلوب التضاد بين الشظايا التي أحرقها لهيبها وبين الثلج الذي كان برداً وسلاماً عليها بعد المغفرة، واستطاعت الشاعرة التلاعب بالألفاظ لإعطائنا صورة بديعية مموسقة بتجانس الكلمات (ككرات، وكركرات).
تشابهت خاتمة القصيدة لحد ما مع خاتمة قصيدة الشاعر صلاح أحمد إبراهيم (مريّا)، وربما يُعزى ذلك لمجرد توارد الخواطر وربما هو أيضاً وجه من التناص، فكلاهما من شعراء الحداثة، يقول صلاح:
وأنا منجم كبريت سريع الاشتعال
يتلظى كلما اشتمّ
من على البعد تعال
وتقول وفاء:
وللكبريت من شجني اشتعال
حتى متى وأقول:
يا هذا تعال؟
الله، يا لحرارة الشجن الذي يشتعل لهيباً يقضي على الأخضر واليابس! ويظل النداء قائماً بلا سقف زمني مما يدل على الإلحاح والعشم في العودة.
وبما أن الشعر هو وسيلة راقية للتعبير عمْا يختلج في النفس من أحاسيس ومشاعر يجسدها الإنسان بالكلام المكتوب فقد أفرغت الشاعرة كل ما في جوفها لتجعلنا نتقاسم معها لذة الألم وحلاوة التعبير في تلكم الأسطر.
تتكون هذه القصيدة من أسطر شعرية متفاوتة من حيث الطول والقصر؛ مما يشير إلى وجود شكل شعري جديد متمرد على الثوابت التقليدية للقصيدة العربية، حيث عمدت الشاعرة إلى الخروج عن نظام الشطرين المتناظرين والتزام السطر الشعري المتفاوت من حيث الطول والقصر كاسرة بذلك الوقفة العروضية الصارمة.
خاتمة المطاف نلاحظ أن القصيدة أتت موجزة وعالية الكثافة دون إطناب أو إطالة، إذ أن الإطالة في الكلام والسرد تقلص من قيمة المادة الأدبية ومحتواها العميق، فهي تسير على مقولة “ما قلّ ودل”.
بخ بخ شاعرة الوجدان (وفاء دلا).
د. الباشا برشم
أستاذ مساعد في الأدب المعاصر.
