أعمدة الرأي

قراءة


تحليل كتاب
“القومية في الشعر السوداني: دراسة تطبيقية على شعر مدرسة الغابة والصحراء”
للدكتور : الباشا أحمد آدم برشم

الشعر السوداني الحديث لم يكن كما يؤكد الدكتور/ “الباشا أحمد آدم برشم” في دراسته ( القومية في الشعر السوداني.. دراسة تطبيقية على شعر مدرسة الغابة والصحراء ) مجرد ممارسة فنية منفصلة عن واقعها بل كان خطاباً وطنيا وساحةً لصراع الهوية ومحاولة واعية لصياغة الذات السودانية في مواجهة الاستعمار والتبعية والتمزق الثقافي فالدكتور/ “الباشا” ينطلق من رؤية ترى في الشعر قوة فاعلة في تشكيل الوعي الوطني وليس مجرد مرآة تعكسه.. وهو يُعرّف القومية تعريف ثقافي لا أيديولوجي بوصفها إحساس بالانتماء ووعي بالذات والآخر ودفاع عن الهوية في صورتها المركّبة. ومن هذا المنظور يناقش كيف أسهم الشعر السوداني في بناء الخيال الجمعي و بلوررة سؤال الهوية ياعتباره سؤالا مفتوحا لا إجابة نهائية له فالقصيدة في تصوّره ليست وصفا للوطن بل أداة رمزية في صناعته وإعادة تعريفه.. وتحتل مدرسة الغابة والصحراء موقع مركزي في دراسة الدكتور/ “الباشا أحمد آدم برشم” بوصفها المشروع الشعري الأبرز الذي سعى إلى التوفيق بين البعدين العربي والأفريقي في التكوين السوداني ويحلل شعر روادها مثل “محمد عبد الحي” و”النور عثمان أبكر” بوصفه تعبير عن هوية وطنية متعددة الجذور ورفضا لاختزال السودان في بُعد واحد أو مرجعية واحدة وفي هذا السياق يرى أن هذه المدرسة لم تكن مجرد تيار أدبي بل مشروعاً ثقافيا يسعى إلى إعادة كتابة الذاات السودانية خارج الثنائيات الضيقة
لا يكتفي الدكتور/ “الباشا” بتناول شعر الغابة والصحراء بل يشير في دراسته إلى عدد من الشعراء الذين كتبوا عن الهوية السودانية وأسهموا في تشكيل خطابها القومي سواء داخل هذا التيار أو خارجه مؤكدا أن سؤال الهوية لم يكن حكرا على مدرسة بعينها بل كان هاجس عاما في الشعر السوداني الحديث. فالقومية في قراءته ليست ملكاً لاتجاه واحد بل هي وعي جماعي تراكمي تشكّل عبر أصوات وتجارب متعددة. وفي هذا الإطار العام يمكن النظر إلى تجربة “محمد الفيتوري” بوصفها واحدة من التجليات البارزة لهذا الوعي لا بوصفها مركزه الوحيد فــ”الفيتوري” كما يلتقي مع طرح الدكتور/ “الباشا” جعل من الهوية العربية الأفريقية سؤالا شعريا مفتوحا وأسهم في تعميق الحس بالانتماء المركّب دون أن يحصر الذات السودانية أو العربية في تعريف واحد مغلق. غير أن حضور “الفيتوري” هنا يظل مثالا من بين أمثلة متعددة، لا محور المقال ولا مركزه
وتكمن القيمة النقدية لدراسة الدكتور/ “الباشا أحمد آدم برشم” في أنها تعيد ربط الشعر السوداني بالسؤال الوجودي الأكبر.. من نحن؟ وكيف نرى أنفسنا في العالم؟ وهو بذلك يؤكد أن الأدب ليس لهواً ثقافيا بل شكل من أشكال المقاومة الرمزية ووسيلة للدفاع عن الذاكرة والهوية في وجه الإقصاء والنسيان كما تِمثل دراسته مرجعاً مهماّ في النقد الأدبي السوداني الحديث لأنها تفتح أفق جديد لفهم العلاقة بين الشعر والتاريخ والهوية بعيداً عن القراءات الشكلية أو الأيديولوجية الضيقة
ويخلص الدكتور / “الباشا أحمد آدم برشم” في كتابه إلى أن الأمة لا تُبنى بالسياسة وحدها ولا تُصاغ بالقوانين فقط بل تُخلق أيضاً في اللغة وفي الحلم الشعري. فالشعر السوداني في قراءته لم يكن مجرد انعكاس للوطن بل كان أحد الأصوات التي شاركت في نحت ملامحه وبهذا تصبح القومية في الشعر السوداني ليست دعاية ولا خطاب مباشر بل رؤية ثقافية وبناءاً شعريا للهوية ومشروعاً مفتوحا على المستقبل.
عماد الدين الصادق العوض
مكة المكرمة – 2026/01/25

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى