أعمدة الرأي

كلمات سحر علي تكتب…

 

رفع العلم الأممي في الخرطوم: وعد أم اختبار؟

تحت سماء عاصمة أنهكتها ثلاثة أعوام من الحرب شهدنا في الثاني من أبريل الجاري مشهدا غير مألوف علم الأمم المتحدة يرفرف مجددا إلى جانب العلم السوداني فوق سارية المقر الرئيس للمنظمة بالخرطوم إنه مشهد لم يحدث منذ اندلاع القتال في 15 أبريل 2023 تسعة من وكالات الأمم المتحدة التي كانت قد أغلقت مقارها ونقلت أنشطتها إلى مناطق أكثر أمانا عادت لتؤكد أن الخرطوم لم تعد مجرد منطقة عمليات إنسانية بل مسرحا لاستئناف الحضور الدولي الكامل ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل رفع العلم الأممي هو حقا وعد بفجر جديد للسودان أم أنه مجرد اختبار لقدرة الدولة والمجتمع الدولي على تجاوز تداعيات حرب مدمرة؟
إن افتتاح «دار الأمم المتحدة» في الخرطوم بالتزامن مع استئناف نشاط برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هو بلا شك أكثر من مجرد خطوة إجرائية فهو يمثل رسالة ثقة دولية مفادها أن تحسن البيئة التشغيلية في العاصمة بات كافيا لعودة الوكالات الأممية للعمل من قلب الأحداث بعد أن كانت تدير استجابتها الإنسانية من بورتسودان أو عبر العمل عن بعد فمساعد مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي شو هاو ليانغ لم يخف أن هذه العودة تهدف إلى تعزيز القرب من الشركاء في الحكومة والمجتمعات المحلية لدعم التعافي وإعادة الإعمار
هذا التوجه يمثل تحولا نوعيا من مرحلة الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى مرحلة التعافي والتنمية المستدامة وهو ما يحتاجه السودان بشدة
لكن الأبعاد السياسية لهذه العودة هي الأكثر تعقيدا وإثارة للجدل فحفل الافتتاح الذي حضره وزير الخارجية محيي الدين سالم ووالي الخرطوم تحول إلى منصة للرسائل السياسية الحادة الوزير سالم لم يكتفي بوصف اليوم بالتاريخي بل أصر على إرسال رسالة واضحة عبر الميكروفونات الأممية «لا مكان للمليشيا بيننا»، في إشارة واضحة إلى قوات الدعم السريع معلنا أن دارفور وكردفان «ستعودان من الاختطاف» في مشهد بالغ الدلالة بينما ترفرف رايات الأمم المتحدة داعية للسلام والتعايش كان صانع القرار السوداني يعلن رفضه لأي هدن هذا التناقض الصارخ بين لغة المنظمة الدولية ولغة الدولة المضيفة يضع الأمم المتحدة في موقف صعب فكيف يمكنها أن تكون وسيطا نزيها للسلام وفي الوقت نفسه تعمل من تحت مظلة طرف في النزاع؟
هذه العودة تضع الأمم المتحدة أمام مسؤوليات جسام فالوجود المباشر في الخرطوم يعني تحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية أكبر تجاه أكثر من 33.7 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، وفقا لخطة عام 2026 كما يفرض على المنظمة الدولية أن توازن بدقة بين دعم مؤسسات الدولة المنهكة وضمان عدم توظيف وجودها كورقة دعائية في الصراع الدائر إن رفع العلم الأممي فوق الخرطوم ليس نهاية المطاف بل هو بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيدا المراهنون على هذا المشهد التفاؤلي عليهم أن يتذكروا أن الأعلام لا تبني دولًا ولا تصنع سلاماالأفق السياسي لا يزال مليئًا بالغموض لقد فتحت الأمم المتحدة مكتبها لكن السؤال الأكبر يبقى هل سيكون هذا المكتب نافذة أمل تطل منها الخرطوم على مستقبل أكثر أمانا أم سيظل مجرد نافذة أخرى على واقع معقد لا يزال أسير نيران الماضي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى