محمد سومى كافى يكتب عاصمة جديدة… أم مركز يه جديدة

في ظل التحولات العاصفة التي يشهدها السودان، تبرز إلى السطح بين الحين والآخر مقترحات بإنشاء عاصمة إدارية جديدة خارج الخرطوم. ويُطرح ذلك كحلٍ عملي لتخفيف الضغط على العاصمة التاريخية، أو كرمز لمرحلة سياسية جديدة، أو حتى كجزء من مشروع “نهضة حضارية” قد يضع البلاد على مسار مغاير.
لكن السؤال الذي لا يمكن القفز عليه هو: هل يمثل هذا القرار أولوية وطنية حقيقية؟ أم هو مجرد طموح نخبوي يكرر نمط التمركز، ولكن بزينة جديدة؟
منذ الاستقلال، لم تتغير المعادلة كثيرًا. ظلت الخرطوم مركز الدولة بلا منازع، في حين ظلت بقية الأقاليم – من دارفور إلى الشرق، ومن جبال النوبة إلى النيل الأزرق – تعاني من حرمان تنموي مزمن، وغياب الخدمات، وانعدام التنمية. هذا الواقع لم يكن نتيجة للصدفة، بل هو نتاج سياسة ممنهجة في تركيز السلطة والثروة، أدت إلى الحروب، والاحتجاجات، والتشظي الجغرافي والسياسي، الذي عرفه السودان لعقود.
ولعل من المفارقات أن الريف السوداني، وهو صاحب اليد العليا في الزراعة والإنتاج الحيواني، وأساس الاقتصاد الحقيقي، ظل مستبعدًا من مشهد التنمية. لا ماء، ولا كهرباء، ولا تعليم جيد، ولا طرق معبّدة تصل القرى بالمدن. سكان الريف هم الذين يدفعون الثمن الأكبر في كل أزمة، وهم في ذات الوقت الأقل حظًا في كل مخطط إصلاحي مزعوم، نتيجة لعدم إدراجهم في أولويات التنمية، وضعف الخدمات الأساسية في مناطقهم.
إن التفكير في نقل العاصمة لا يجب أن يكون مجرد هروب إلى واجهات زجاجية، ولا ينبغي أن يُطرح كحل تقني أو معماري فقط. ما لم يكن هذا القرار جزءًا من مشروع وطني شامل لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس العدالة والإنصاف، فإن النتيجة ستكون مجرد “مركزية جديدة”، ولكن في موقع جغرافي مختلف.
المطلوب أولًا أن نعيد تعريف مفهوم “العاصمة” في وجداننا الجمعي. العاصمة ليست مباني الوزارات، ولا أبراج البنوك، ولا الفلل الرئاسية. العاصمة، في جوهرها، هي المكان الذي يعبّر عن كل السودان، ويمنح كل سوداني وسودانية شعورًا بالانتماء والتمثيل والكرامة.
إذا أُريد للعاصمة الجديدة أن تُبنى، فلتُبْنَ في موقع يمثل توازنًا بين الأقاليم. ولتكن منارة لخدمة الناس، لا لتجميل صورة السلطة. فالعاصمة التي تُشيَّد بينما لا تزال المدارس منهارة في الريف، والمستشفيات خاوية في الأطراف السودانية، والنازحون يفترشون الأرض، هي عاصمة تفصل نفسها عن واقع وطنها، لا ترتبط به.
التنمية لا تبدأ من الأعلى، بل من القاعدة. ومشروع بناء عاصمة يجب أن يبدأ من الريف، من حيث وُلدت المظالم، ومن حيث اشتعلت الثورات. العدالة الاجتماعية لا تتحقق بتغيير الجغرافيا، بل بتغيير المنهج والرؤية.
إن تجربة الدول الأخرى تخبرنا أن بناء عواصم جديدة ليس بالضرورة مشروع نجاح. لقد بُنيت عواصم فخمة في أماكن كثيرة، لكنها فشلت في احتواء مواطنيها لأنها لم تعالج جذور اللاعدالة التنموية، ولم تكن أكثر من محاولة للهرب من المركز القديم دون تفكيك مشكلاته.
السودان لا يحتاج إلى عاصمة جديدة بقدر ما يحتاج إلى عدالة جديدة.
وإن كنا لا نزال نخطط من الأعلى دون أن نرى القرى البعيدة، والمزارع التي جفّت، والمدارس التي هُجرت، فإننا نكرر ذات الطريق الذي قادنا إلى الانقسام والصراع.
فليكن مشروع العاصمة الجديدة – إن أُنجز – مشروعًا وطنيًا حقيقيًا، لا هندسيًا فقط. مشروعًا يحمل في قلبه الريف، ويحمل في روحه قيم الثورة، ويحمل في عمارته رؤية للعدالة، لا للاستعراض.
ففي النهاية، لا تبني الأسمنتات أو الزجاجات مستقبل الأوطان، بل تبنيه العدالة وحدها.
