أخبار محلية

من قلب الحرب إلى قلعة الشفاء.. هل تصبح كسلا عاصمة العلاج في شرق السودان؟

ا

مركز القلب يقترب من الافتتاح.. و«القلعة الطبية» تفتح سؤالاً أكبر: هل تنجح كسلا في كسر فاتورة العلاج خارج الولاية واستقبال مرضى شرق السودان ودول الجوار؟

تحقيق استطلاعي – هادية صباح الخير.!!!!

لم يكن الطريق إلى «القلعة الطبية» في كسلا طريقاً عادياً؛ فالمشروع الذي يتشكل اليوم في واحدة من أكثر المراحل صعوبة في تاريخ السودان، يحمل في تفاصيله قصة صمود تتجاوز الأسمنت والمباني والأجهزة، لتصل إلى سؤال أكبر: هل يستطيع السودان أن يصنع من وسط الحرب واقعاً صحياً جديداً؟
في كسلا، تقترب الإجابة من الظهور.
فـ«مركز كسلا لأمراض وجراحة القلب» يضع اللمسات الأخيرة استعداداً لبدء العمل والافتتاح، بعد تركيب أجهزة القسطرة وتجهيز أقسام العناية، فيما تؤكد وزارة الصحة أن المركز يمثل إضافة نوعية للقطاع الصحي وتوطيناً لخدمات تخصصية يحتاج إليها المواطن.

والمركز ليس مشروعاً منفرداً؛ فهو جزء من منظومة أوسع هي «قلعة كسلا الطبية» التي تضم عدداً من المؤسسات والمرافق المتخصصة، بينها مستشفى الأطفال، والمجمع الجراحي، والمركز التشخيصي، ومركز غسيل الكلى وغيرها من الخدمات الصحية.

وهنا تتغير زاوية النظر.
فالمواطن الذي كان يضطر إلى قطع مئات الكيلومترات بحثاً عن طبيب أو عملية أو قسطرة، قد يجد مستقبلاً بعضاً من هذه الخدمات على مقربة منه. والمريض القادم من ولاية أخرى قد لا يعود مضطراً إلى الخرطوم. بل إن الطموح الذي طُرح منذ بداية فكرة المركز أن يكون مرجعاً لولايات شرق السودان، وأن تمتد فائدته إلى دول الجوار.
لكن هل تكفي المباني والأجهزة لصناعة مركز طبي إقليمي؟
هذا هو السؤال الذي تطرحه «مسار ميديا» في هذا التحقيق الاستطلاعي.
القلعة.. إنجاز يولد في زمن الحرب
أن تُشيّد مؤسسة صحية متخصصة في زمن الاستقرار أمر مهم، لكن أن يستمر العمل في مشروع بهذا الحجم وسط حرب وأزمة اقتصادية ونقص في الموارد، فذلك يمنحه معنى مختلفاً.
القلعة الطبية في كسلا تمثل، في نظر كثيرين، محاولة لتحويل الأزمة إلى فرصة، والاعتماد على الذات بدلاً من استمرار نزيف الأموال في العلاج خارج الولاية وخارج البلاد.
وتشير المعلومات الرسمية إلى أن مركز القلب شهد دعماً مجتمعياً واسعاً، شمل توفير مولد كهربائي بقدرة 500 كيلوفولت أمبير، إلى جانب مساهمات من رجال أعمال وخيرين وجهات مختلفة……

وهنا تظهر قيمة أخرى للمشروع:
الدولة وحدها لم تكن اللاعب الوحيد.
فقد تداخلت جهود حكومة الولاية، ووزارة الصحة، والأطباء، والقطاع الخاص، والخيرين، وأبناء كسلا في الداخل والخارج، لتتحول الفكرة تدريجياً إلى واقع.
وتبرز في هذا السياق جهود د. جلال الدين رابح والهيئة الشعبية لنفرة مركز القلب، إلى جانب مساهمات رجال الأعمال وأبناء الولاية، فيما وثقت تقارير رسمية وإعلامية مساهمات عدد من الداعمين في استكمال احتياجات المركز……

استطلاع «مسار ميديا».. ماذا يقول أهل كسلا؟
لماذا يحظى مركز القلب بكل هذا الاهتمام؟
الإجابة لا توجد في المكاتب الحكومية وحدها، بل في الشارع، وفي المستشفيات، والجامعات، والمساجد، والمدارس، والقرى والمحليات.
لذلك توسعنا في استطلاعنا ليشمل شرائح مختلفة من المجتمع.
الأطباء: الخطوة الأهم هي توطين التخصص
بالنسبة للأطباء والكوادر الصحية الذين استطلعنا آراءهم، فإن القيمة الأساسية للمركز لا تكمن فقط في وجود مبنى حديث أو أجهزة متطورة، وإنما في توطين خدمات القلب وجراحة القلب والقسطرة داخل الولاية.
فمرض القلب لا ينتظر.
والحالة الطارئة لا تمنح الأسرة وقتاً طويلاً لجمع المال أو البحث عن وسيلة سفر.
ومن هنا يرى أطباء أن وجود مركز متخصص يمكن أن يحدث فرقاً حقيقياً، خصوصاً إذا اكتملت منظومة الطوارئ والعناية المركزة والتشخيص والقسطرة والجراحة والتأهيل.
لكنهم يضعون شرطاً واضحاً:
المركز يحتاج إلى كوادر متخصصة بقدر حاجته إلى الأجهزة.
وهنا يصبح السؤال:
هل تستطيع كسلا استقطاب والمحافظة على أطباء القلب وجراحي القلب والتخصصات المساندة؟
وهل توجد حوافز تضمن استمرارهم؟
المرضى والمواطنون: نريد أن ينتهي السفر من أجل العلاج
في الجانب الآخر، تبدو القضية بالنسبة للمواطن أكثر بساطة:
«لا نريد أن نسافر بعيداً حتى نعالج قلوبنا».
هذه الجملة تختصر كثيراً من معاناة الأسر.
فالعلاج خارج الولاية لا يعني فقط تكلفة العملية أو الكشف، وإنما يعني المواصلات، والسكن، والطعام، ومرافق المريض، والانتظار، وأحياناً بيع الممتلكات لتوفير تكلفة العلاج.
لذلك يرى مواطنون أن نجاح مركز القلب لن يقاس بعدد الأجهزة التي وصلت إليه، وإنما بعدد المرضى الذين استطاع المركز علاجهم دون أن يضطروا إلى مغادرة كسلا.
الطلاب والشباب: هل تولد مدينة طبية جديدة؟
في الجامعات والمدارس، ينظر الشباب إلى المشروع من زاوية مختلفة.
فوجود منظومة طبية متخصصة يمكن أن يخلق فرصاً للتدريب والعمل، ويشجع الأطباء الشباب على البقاء في شرق السودان، ويجعل كسلا بيئة جاذبة للكفاءات الطبية.
ويرى بعض الطلاب الذين شملهم الاستطلاع أن القلعة الطبية يمكن أن تكون نواة لما هو أكبر:
مدينة طبية متكاملة.
مدينة لا يأتي إليها المواطن للعلاج فقط، وإنما تستقطب الأطباء والاستشاريين، والطلاب، والمراكز البحثية، والاستثمارات الطبية، والخدمات المساندة.
وهنا تتحول الصحة من خدمة إلى اقتصاد قائم بذاته.
رجال الدين: المستشفى أيضاً مسؤولية مجتمع
رجال الدين الذين شاركوا في الاستطلاع ركزوا على مفهوم التكافل.
فالمؤسسات الصحية الكبرى، بحسب رؤيتهم، لا ينبغي أن تكون مسؤولية الحكومة وحدها.
فالطبيب يقدم علمه، ورجل الأعمال يقدم ماله، والمجتمع يقدم دعمه، والدولة توفر البيئة والتشغيل والرقابة.
وتجربة مركز القلب نفسها تقدم نموذجاً لهذه الشراكة، بعدما ساهم الخيرون ورجال المال والأعمال في توفير احتياجات أساسية للمشروع……

والرسالة التي تتكرر:
من ساهم في بناء المركز يجب ألا يتوقف عند لحظة الافتتاح.
فالمستشفى الذي يحتاج ملايين الجنيهات لإنشائه يحتاج أيضاً إلى موارد مستمرة لتشغيله وصيانة أجهزته وتوفير مستلزماته.
الأطفال.. سؤال المستقبل
حتى الأطفال لهم مكان في هذه القصة.
فالقلعة الطبية لا تتوقف عند مركز القلب.
وجود مستشفى للأطفال ضمن المنظومة يفتح باباً آخر من أبواب الأمل للأسر، خصوصاً أن الطفل المريض يحتاج إلى بيئة علاجية متخصصة وآمنة وقريبة من أسرته.
ولذلك كان سؤالنا للأطفال بسيطاً:
لو أصبح في كسلا مستشفى كبير يعالج الأطفال ومرضى القلب، ماذا تتمنى أن يقدم للناس؟
كانت الإجابات تدور حول شيء واحد:
«ألا يضطر الناس للسفر بعيداً عندما يمرضون».
وربما كانت هذه أبسط صياغة للهدف الذي تسعى إليه القلعة الطبية.
من كسلا إلى شرق السودان.. هل يتغير مسار العلاج؟
المشروع لا يخص كسلا وحدها.
فالموقع الجغرافي للولاية، ووجود شبكة من الولايات الشرقية حولها، يمنح القلعة الطبية فرصة لتصبح مركزاً مرجعياً لخدمات تخصصية.
وقد طُرحت منذ مراحل إنشاء مركز القلب فكرة أن يكون مرجعاً لولايات شرق السودان، بل وأن تمتد خدماته إلى دول الجوار.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج إلى خطة واضحة.
طوارئ تعمل على مدار الساعة.
قسطرة متاحة.
جراحة قلب.
عناية مركزة.
تخصصات مساندة.
كوادر مؤهلة.
إمداد دوائي مستقر.
كهرباء ومياه.
صيانة للأجهزة.
نظام تأمين صحي قادر على تغطية المواطن.
عندها فقط يمكن أن تنتقل كسلا من مجرد مدينة تستقبل المرضى إلى وجهة علاجية إقليمية.
رجال المال والأعمال.. شركاء في صناعة الإنجاز
القلعة الطبية تقدم أيضاً رسالة واضحة لرجال الأعمال السودانيين:
الاستثمار في الصحة ليس صدقة، بل استثمار في الإنسان وفي استقرار المجتمع.
والدعم الذي وجده مركز القلب من أبناء كسلا والخيرين يؤكد أن رأس المال الوطني يستطيع أن يصنع فارقاً عندما تتجه المساهمات إلى مشروعات ذات أثر مباشر على حياة الناس.
وهنا لا بد من الإشادة بكل من مد يده للمشروع، وبالأخص الذين تحملوا مسؤولية توفير احتياجات أساسية ساعدت المركز على الوصول إلى هذه المرحلة.
كما تستحق جهود د. جلال رابح ومن وقف معه في الهيئة الشعبية لنفرة المركز التقدير، باعتبار أن المشروع احتاج إلى من يحوله من فكرة إلى قضية مجتمعية تتبناها الولاية وأهلها.

مسؤولية الدولة.. الإنجاز لا ينتهي يوم الافتتاح
إذا كان إنشاء القلعة الطبية إنجازاً، فإن المحافظة عليها وتشغيلها تمثل التحدي الأكبر.
وهنا تبرز مسؤولية مجلس السيادة، وحكومة ولاية كسلا، ووزارة الصحة، والجهات الاتحادية ذات الصلة في دعم المشروع، وتوفير متطلبات التشغيل، واستدامة الخدمات، وحماية الأجهزة، وتأمين الأدوية والمستهلكات الطبية.
كما أن الإنجاز يستحق التقدير والتكريم لكل من أسهم فيه، وفي مقدمتهم قيادة الدولة وولاية كسلا ووزارة الصحة، إلى جانب الأطباء ورجال الأعمال والخيرين وأبناء الولاية.
لكن أفضل تكريم للمشروع ليس الاحتفال به فقط؛ وإنما ضمان بقائه يعمل.
السؤال الصعب: ماذا بعد الافتتاح؟
هنا يصل التحقيق إلى جوهره.
فالافتتاح ليس النهاية.
بل ربما يكون البداية الأصعب.
من سيدفع تكلفة التشغيل؟
من يضمن استمرار القسطرة؟
من يوفر المستلزمات؟
كيف تتم صيانة الأجهزة؟
كيف تستقطب كسلا الاستشاريين؟
كيف يحصل المواطن محدود الدخل على الخدمة؟
وهل يمكن للتأمين الصحي أن يكون شريكاً حقيقياً في توفير العلاج؟
وهل توجد خطة لتدريب الكوادر المحلية حتى لا يصبح المركز معتمداً بصورة دائمة على الكوادر القادمة من خارج الولاية؟
هذه الأسئلة يجب أن تكون حاضرة منذ اليوم الأول.
الخلاصة.. قلعة من حجر أم قلعة للأمل؟
في زمن الحرب، اعتاد السودانيون أن يسمعوا أخباراً عن توقف المشروعات، وتعطل المؤسسات، وهجرة الكفاءات.
لكن كسلا تقدم صورة مختلفة.
مشروع طبي كبير يتقدم. مركز قلب يقترب من العمل. مستشفى أطفال يقترب. مجمع جراحي في الطريق. ومجموعة من الخدمات المتخصصة تتشكل داخل مساحة واحدة.

لهذا فإن «قلعة كسلا الطبية» ليست مجرد مبانٍ صحية.
إنها اختبار لقدرة المجتمع والدولة على صناعة الإنجاز في الظروف الصعبة.
واختبار لقدرة رجال الأعمال على تحويل مساهماتهم إلى مشروعات مستدامة.
واختبار لقدرة القطاع الصحي على توطين العلاج.
واختبار لقدرة كسلا على أن تصبح أكثر من ولاية مستضيفة للنازحين والمتأثرين بالحرب؛ لتتحول إلى مركز صحي متقدم يخدم شرق السودان وما حوله.
ويبقى السؤال الذي يتركه هذا التحقيق مفتوحاً:
هل يكون افتتاح مركز القلب نهاية رحلة شاقة.. أم بداية ولادة «مدينة كسلا الطبية» التي تجعل الشرق وجهة للعلاج بدلاً من أن يكون أبناؤه هم الذين يسافرون بحثاً عنه؟
مسار ميديا ترى أن هذا الإنجاز، إذا اكتملت حلقاته، يستحق أن يُكتب باعتباره واحداً من قصص الصمود السوداني في زمن الحرب؛ وأن يُكرم كل من وقف خلفه، وفي مقدمتهم قيادة الدولة، وولاية كسلا، ووزارة الصحة، والأطباء، ورجال المال والأعمال، والخيرين، وأبناء الولاية الذين آمنوا بأن الحرب لا يجب أن توقف بناء الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى