أخبار محلية

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي يكتب

سد النهضة… أم غفلة السودان؟

في مقالنا الأحد في زاوية “وجه الحقيقة” الذي جاء بعنوان “أمننا المائي… على حافة العطش” لم نكن نحاول الانحياز للجدل المتعلق بسد النهضة، بل أشرنا حينها إلى أن السودان دخل بالفعل مرحلة هيدرولوجية جديدة، وأن الخطر الحقيقي لا يكمن في انخفاض منسوب النيل بقدر ما يكمن في استمرار إدارة ملف المياه بعقلية حاضرة. وقلنا إن الأمن المائي، أصبح ركناً أصيلاً من أركان الأمن القومي والسيادة الوطنية.

ولم تمض ساعات حتى وردتنا إفادة مهمة، بعث بها البروفيسور سيف الدين حمد، رئيس اللجنة الفنية الأسبق بوزارة الموارد المائية، لتمنح هذا النقاش بعداً علمياً بالغ الأهمية. فقد جاءت إفادته، حاملة معلومات دقيقة وأسئلة جوهرية، لتؤكد أن القضية لا تُختزل في سد النهضة، وإنما تمتد إلى كيفية إدارة السودان لواقعه المائي الجديد.

ما يلفت الإنتباه في حديث البروف أنه لم يتبنَّ خطاب الاتهام الذي اعتاده كثيرون، ولم يقدّم سد النهضة بوصفه المسؤول الوحيد عما جرى، بل أعاد توجيه النقاش نحو الداخل السوداني. فالرجل أوضح أن تشغيل السد الإثيوبي يتم وفق برنامج سنوي معلوم يقوم على تخزين المياه خلال أشهر الفيضان بين يوليو وأكتوبر، ثم إطلاقها تدريجياً خلال أشهر الشح. وهذا الواقع أصبح جزءاً من المعادلة الهيدرولوجية في حوض النيل الأزرق.

وهنا السؤال: إذا كانت الدولة تعلم مسبقاً بموعد بدء التخزين ، فلماذا بدأ المشهد وكأن البلاد فوجئت بما حدث؟ فالدول لا تُقاس بقدرتها على تفسير الأزمات بعد وقوعها، وإنما بقدرتها على توقعها والاستعداد لها.

ويمضي البروف إلى نقطة أكثر أهمية حين يؤكد أن التصريفات الخارجة من سد النهضة خلال الفترة من يناير وحتى نهاية يونيو كانت أعلى من الاحتياجات الفعلية للبلاد ، وهو ما كان يتيح، من الناحية الفنية، تخزين كميات مناسبة في سد الروصيرص لتأمين احتياجات الري والتوليد الكهربائي خلال فترة بدء التخزين في يوليو. وهذه ليست مجرد ملاحظة تشغيلية، وإنما سؤال مباشر حول كفاءة إدارة الموارد المتاحة. فإذا كانت المياه موجودة، فلماذا لم تُدار بما يحقق الأمن المائي في اللحظة الحرجة؟

وتبقى الحقيقة الأهم في الإفادة أن السودان وإثيوبيا وقّعا في 26 أكتوبر 2022 ترتيبات فنية لتنظيم التشغيل وتبادل المعلومات. وهذه المعلومة التي سبق تناولها، تعيد تعريف جوهر الأزمة ، فالمشكلة لم تكن غياب المعلومات، بل ضعف توظيفها داخل مؤسسات القرار. ومن هنا يبرز السؤال: لماذا لم تُفعّل آليات التنسيق الفني بصورة منتظمة؟ وهل كان ذلك قصوراً مؤسسياً أم نتاج حسابات سياسية؟ فالأمن المائي لا يُدار بفراغ المعلومات، بل برؤية وطنية تستند إلى العلم والمصلحة القومية.

ومن هنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل ظلت اللجنة الفنية المشتركة بين السودان وإثيوبيا تمارس دورها بالصورة المطلوبة؟ وهل استمرت اجتماعاتها بانتظام بما يضمن انسياب المعلومات والتنسيق الفني؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فلماذا لم تنعكس تلك المعلومات على سياسات تشغيل الخزانات داخل السودان؟ وإن كانت الإجابة لا، فما الذي حال دون تفعيل واحدة من أهم آليات إدارة الأمن المائي للبلاد؟ إن هذه الأسئلة ليست بحثاً عن مسؤولية طرف بعينه، وإنما دعوة لمراجعة منظومة التنسيق الفني التي يفترض أن تقوم عليها إدارة مورد استراتيجي بهذا الحجم.

ولعل أخطر ما كشفته إفادة البروف أنه أشار إلى أن السودان لم ينجز بعد عملية التكيف، مع الواقع الجديد الذي فرضه سد النهضة. فاستمرار تشغيل سدود الروصيرص وجبل أولياء وفق فلسفة ما قبل قيام السد الإثيوبي يعني أن الأزمة ليست في وجود متغير جديد، وإنما في بطء استجابة المؤسسات لهذا المتغير. فالمعرفة كانت متوفرة، والخبرة الوطنية موجودة، والتفاهمات الفنية قائمة، لكن الحلقة التي تستحق المراجعة هي كيفية تحويل كل ذلك إلى قرارات تشغيل وسياسات عامة.

وهنا تنتقل القضية من مستوى إدارة المياه إلى مستوى حوكمة الدولة. فالدولة الحديثة لا تُقاس بامتلاكها الموارد وحدها، وإنما بامتلاكها القدرة على إدارتها بكفاءة. وعندما تكون المعلومات متاحة، والاتفاقيات قائمة، والخبرات الوطنية حاضرة، ثم تقع الأزمة رغم ذلك، فإن الخلل لا يعود فنياً فحسب، بل يصبح خللاً في منظومة الحوكمة وصناعة القرار، وفي قدرة الوزارة على استيعاب المتغيرات وتحويلها إلى سياسات استباقية.

لقد ظل السودان، طوال أزمة سد النهضة، عالقًا بين رؤية مصر التي تعدّه تهديدًا استراتيجيًا، ورؤية إثيوبيا التي تراه مشروعًا تنمويًا. غير أن مصلحته الوطنية لم تتطابق يومًا مع أيٍّ منهما، بل اقتضت مقاربة مستقلة تنطلق من أولوياته، وفي مقدمتها تأمين حياة نحو 19 مليون سوداني يقيمون على ضفاف النيل الأزرق والنيل الرئيسي. ومن ثم، فإن الترتيبات الفنية ينبغي أن تُستثمر لتعزيز الأمن المائي وتقليل المخاطر، بعيدًا عن الاستقطابات الإقليمية، لأن إدارة الأنهار تحكمها معادلات العلم والتخطيط أكثر مما تحكمها السياسة.

ويكتسب بيان وزارة الزراعة والري الصادر في 16 يوليو دلالة تتجاوز التطمينات للمواطنين، إذ ربط انخفاض المناسيب ببدء التخزين في سد النهضة، لكنه أغفل توضيح التدابير الاستباقية لمواجهته. وهو ما يعزز ما خلص إليه البروفيسور سيف الدين حمد بشأن تداعيات دمج وزارة الموارد المائية، ويؤكد أن الأمن المائي قضية سيادية تستوجب فصلها عن الزراعة، باعتبارها ركيزة للأمن الغذائي والطاقة والاستقرار الوطني.

بحسب #وجه_الحقيقة، فإن القضية ليست في سد النهضة وحده، بل في غياب آليات إدارة العلاقة معه. فالمعطيات تشير إلى أن اللجنة الفنية المشتركة المعنية بالتنسيق وتبادل المعلومات مع الجانب الإثيوبي لم تعقد اجتماعاتها، وهو ما أضعف القدرة على الاستعداد للتغيرات في تشغيل السد. لذلك فإن الدرس الأهم ليس ما فعله سد النهضة، بل ما ينبغي أن يفعله السودان لضمان تنسيق مؤسسي دائم يحول دون تكرار الأزمة.
دمتم بخير وعافية.
الثلاثاء 21 يوليو 2026 م Shglawi55@gmail.com

#سد_النهضة #الأمن_المائي #السودان #الأمن_القومي #إدارة_المياه #النيل_الأزرق #الحوكمة #الموارد_المائية #السيادة_الوطنية #إبراهيم_شقلاوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى