أعمدة الرأي

يُحمد للرجل ما لا يُحمد عقباه.. وحقن دماء السودانيين شرف

بقلم__✍️
إبتسام مهد

تجولت في الخرطوم وأم درمان وبحري قبل الحرب وبعد التحرير لكن جولتي تختلف عن جولات الآخرين فقد عشت بدايات الحرب وشهدت مفاجآتها الصادمة منذ الطلقة الأولى وتابعت مراحل تطورها وما حملته من تحولات عسكرية وإنسانية بالغة الخطورة منذ ذلك التاريخ توالت الأحداث بصورة متسارعة وكنا نسمع كل يوم عن هجمات مليشيا الدعم السريع على الفرق العسكرية في الولايات وعن سقوط بعضها وفقًا لتطورات الميدان والقرارات العسكرية حتى وصل الأمر إلى سقوط مدينة الفاشر الصامدة بينما كانت الخرطوم قد بدأت تستعيد بعض عافيتها بعد خروج عناصر المليشيا منها لا أستطيع أن أمحو من ذاكرتي ولا من ذاكرة الشعب السوداني مشاهد سقوط الفرق العسكرية والصدمة العارمة التي أصابت المواطنين وما صاحبها من خوف وهلع ونزوح نحو المناطق الآمنة في وقت كان فيه الجيش يحاول إعادة التموضع والتمركز في مواقع دفاعية لمواجهة الهجوم الواسع لقد كنت شاهدة على الهجوم الأول وكنت على بعد ستة أو سبعة أمتار من القيادة العامة وشهدت جانباً من تلك اللحظات التي ستظل محفورة في الذاكرة الوطنية وقد تزامن ذلك مع دخول مليشيا الدعم السريع إلى الخرطوم وبحري وأم درمان حيث خلفت الحرب أضراراً بالغة شملت تدمير منازل المواطنين ونهب ممتلكاتهم إلى جانب قتل أبرياء تحت ذرائع واتهامات كاذبة وارتكاب انتهاكات جسيمة طالت النساء السودانيات ومع امتداد الحرب ظلت المليشيا المتمردة تستبيح الأحياء والمناطق التي تسيطر عليها ولم تسلم من انتهاكاتها مؤسسات الدولة ذات السيادة الوطنية فالمليشيا في نظرنا لم تُظهر احتراماً كافياً للقانون أو لحرمة المؤسسات أو لحقوق المواطنين وكانت نتائج ذلك كارثية على البلاد والعباد لم يكن غريباً في ظل ما شهدته البلاد أن تتعرض السجون للاقتحام والتخريب ومن بينها سجون زالنجي والجنينة وكوبر بنيالا وشالا بالفاشر إلى جانب سجون أخرى مثل دبك وكوبر وقد أدى اقتحام عدد من هذه السجون إلى خروج محكومين ومحتجزين الأمر الذي أضاف تعقيدات أمنية جديدة إلى واقع الحرب وأثار مخاوف واسعة بشأن عودة بعض أصحاب السوابق إلى النشاط الإجرامي بعيداً عن سلطة القانون ومن بين الأسماء التي وردت في هذا السياق اسم علي رزق الله الشهير بـ(السافنا) الذي ارتبط اسمه بقضايا جنائية من بينها قضايا القتل والنهب وفق ما يُتداول بشأن ملفه القضائي وأذكر هذه الخلفية لأن فهم موقف الرجل الحالي يقتضي النظر إلى تعقيدات مسيرته السابقة والظروف التي أحاطت بوجوده داخل مليشيا الدعم السريع ثم قراره اللاحق بالانشقاق عنه إن انضمام السافنا إلى الدعم السريع في مرحلة سابقة لا ينبغي أن يكون وحده نهاية الحكم على الرجل كما أن انشقاقه الحالي لا ينبغي أن يكون في المقابل صك براءة تلقائياً من أي أفعال سابقة فالمواقف تُقيَّم والأفعال تُحاسَب عليها العدالة لكن التحولات التي تسهم في وقف الحرب وحقن الدماء تستحق أن تُقرأ بجدية ومسؤولية ويُحسب للسافنا في هذه المرحلة أنه اتخذ موقفاً بالانحياز إلى الوطن وأنه اختار مغادرة صفوف الدعم السريع والعودة إلى جانب القوات المسلحة في ظروف بالغة الصعوبة والخطورة فالقرار لم يكن بحسب طبيعة الحرب خالياً من المخاطر إذ يمكن أن يتعرض الرجل ومن معه للموت في أي لحظة كما أن الانشقاق عن قوة مسلحة في خضم معركة مفتوحة ليس أمرًا هينًا إن حقن دماء السودانيين شرف والعودة إلى الصف الوطني متى اقترنت بوقف الانتهاكات والالتزام بالقانون تمثل خطوة ينبغي النظر إليها من زاوية مصلحة البلاد، لا من زاوية الخصومات الشخصية أو الأحكام المسبقة وقد علمتنا تجارب الحرب أن الإنسان قد يراجع مواقفه وأن صوت الضمير يمكن أن ينتصر في لحظة فارقة، مهما تأخر ذلك الانتصار. ومن هنا، فإن الموقف الذي اتخذه السافنا يستحق التقييم في ضوء ما سيقدمه على أرض الواقع، ومدى التزامه بحماية المواطنين والمساهمة في إنهاء التمرد واستعادة الأمن والاستقرار إن الشعب السوداني، الذي دفع ثمنًا باهظًا لهذه الحرب، يحتاج إلى كل موقف صادق يسهم في وقف نزيف الدم، وإلى كل جهد يعيد أبناءه إلى طريق الوطن. ولا يعني ذلك أن الحرب أصبحت بلا تعقيدات، أو أن جميع الملفات قد حُسمت، وإنما يعني أن باب العودة إلى الصف الوطني ينبغي أن يظل مفتوحًا أمام من يختار بصدق التخلي عن القتال ضد الدولة والمواطنين فالسافنا أحد أبناء السودان، وينتمي إلى منطقة عسلاية بدارفور. ولا ينبغي أن يكون الانتماء الجغرافي أو القبلي وحده معيارًا للحكم على أي مواطن، فالسودان وطن يتسع لأبنائه جميعًا، وتبقى الأفعال والمواقف هي المعيار الحقيقي لتقييم الأشخاص وبحسب ما تطرحه الكاتبة، فإن السافنا لم يكن، خلال وجوده في الدعم السريع، مشاركًا في بعض الوقائع التي شهدت سقوط مدن أو نهب ممتلكات المواطنين في مناطق وجوده. وهذه رواية تحتاج إلى التحقق من الوقائع والأدلة، مثلما تحتاج جميع الادعاءات المتعلقة بأدوار الأفراد خلال الحرب إلى التثبت، بعيدًا عن التعميم أو إصدار الأحكام المطلقة ومع ذلك، فإن موقفه الراهن يفتح بابًا للنقاش حول كيفية التعامل مع المنشقين، والتمييز بين من يواصل القتال والانتهاكات، ومن يقرر مغادرة صفوف التمرد والانحياز إلى مسار يوقف الحرب لقد عُرف أهل دارفور بقيم الكرم والشجاعة وإغاثة الملهوف، وهي قيم لا ينبغي أن تتحول إلى شعارات، بل يجب أن تتجسد في حماية الإنسان وصيانة كرامته ورفض الظلم والاعتداء والعمل من أجل سلام يعيد الثقة بين المجتمعات ونحن لسنا دعاة حرب، ولا نريد إشعال نار الفتنة، بل نطمح إلى أن يكون السلام غاية الجميع، وأن يظل الوطن مفتوحًا أمام أبنائه الذين يختارون العودة إليه بصدق. وإذا رحبت قيادة الدولة بمنشقين وقررت قبولهم ضمن ترتيبات عسكرية أو وطنية، فإن هذا الترحيب يجب أن يقترن بضوابط واضحة تحفظ حقوق الضحايا، وتضمن عدم الإفلات من المساءلة ظل الشيخ موسى هلال، زعيم المحاميد، أحد الأسماء البارزة في المشهد الدارفوري، وقد ارتبطت مواقفه السياسية والعسكرية بتعقيدات الصراع في الإقليم. وعقب الأحداث الدامية التي شهدتها مستريحة، والتي نترحم فيها على أرواح الضحايا الذين قُتلوا ظلمًا وغدرًا، برزت تحركات واتصالات استهدفت استقطاب أبناء المنطقة وإعادة ترتيب مواقفهم وفي هذا السياق، جاء انشقاق السافنا، وفق الرواية المتداولة، في إطار ترتيبات وتفاهمات مع الجيش والاستخبارات العسكرية والقوات المساندة، إلى أن ظهر الرجل مرتديًا الزي العسكري ومتحدثًا إلى وسائل الإعلام وكان ظهوره مناسبة للحديث عن الانتهاكات التي قال إنها تقع في مناطق سيطرة الدعم السريع، وعن معاناة المواطنين، كما عبّر عن ندمه على التأخر في اتخاذ قرار الانشقاق، واعتبر أن خروجه بقواته وعتاده أحدث ارتباكًا داخل صفوف المليشيا وأثر في تماسكها ومهما يكن من تقدير لحجم التأثير العسكري لهذا الانشقاق، فإن أهميته لا تتوقف على عدد الجنود أو الآليات التي خرجت معه، بل تمتد إلى الرسالة السياسية والمعنوية التي يحملها: أن صفوف الدعم السريع ليست مغلقة أمام المراجعة، وأن العودة إلى الوطن تظل خيارًا ممكنًا لمن يقرر التخلي عن مشروع الحرب كما أن تغيير الزي العسكري، وارتداء الكاكي الأخضر بدلًا من زي الدعم السريع، يحمل دلالة رمزية على الانتقال إلى صف آخر. غير أن المعيار الحقيقي لا يكمن في الزي وحده، بل في السلوك، والالتزام بالأوامر القانونية، وحماية المدنيين، وعدم ارتكاب انتهاكات جديدة إن الترحيب بالمنشقين لا يعني تبرئتهم من كل ما قد يكون ارتُكب في الماضي، ولا يعني أن حقوق الضحايا يمكن تجاوزها باسم المصالح العسكرية أو مقتضيات الحرب. فهناك فرق بين فتح باب العودة إلى الصف الوطني، وبين إسقاط المسؤولية الجنائية عن أفعال قد تكون محل تحقيق أو محاكمة العدالة ليست انتقامًا، كما أن المصالحة ليست نسيانًا للحقوق. ومن حق الدولة أن تستفيد من الانشقاقات في تقليل القوة العسكرية للتمرد، ومن واجبها في الوقت نفسه أن تحافظ على سيادة القانون، وأن تتيح للمتضررين المطالبة بحقوقهم عبر المؤسسات القضائية المختصة إن القضاء السوداني هو الجهة التي ينبغي أن تفصل في الاتهامات وفق الأدلة والإجراءات القانونية، وليس الانطباعات الشخصية أو الخصومات أو حملات التشهير. أما العدالة الإلهية، فلا يعلم مداها وحقيقتها إلا الله سبحانه وتعالى، الذي لا تخفى عليه خافية وفي هذا الإطار، فإن العفو الذي أعلنه رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وما تتخذه الدولة من إجراءات لاستقبال العائدين والمنشقين ينبغي فهمه في سياقه الوطني والقانوني، مع ضرورة التمييز بين العفو السياسي أو التدابير المتعلقة بالعودة، وبين الجرائم التي لا يجوز تجاوزها إلا وفق القانون لم يقتصر الحديث عن الانشقاقات على السافنا وحده؛ فقد شهدت الفترة الأخيرة تداول أنباء عن انشقاقات أخرى من داخل الدعم السريع، من بينها ما أُعلن عن الفنجري، الذي ارتبط اسمه بالمهام الخاصة داخل هذه القوات. وإذا تأكدت هذه التحولات واستمرت، فإنها قد تعكس وجود تصدعات داخلية وتباينات بشأن استمرار الحرب وكلفتها على السودان والسودانيين إن انشقاق أي قوة أو قائد لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره مكسبًا عسكريًا لطرف على حساب آخر، بل باعتباره فرصة محتملة لتقليل أعداد المقاتلين، والحد من اتساع دائرة العنف، وفتح الطريق أمام تسويات تعيد الاستقرار إلى المناطق المتضررة والاعتذار للشعب السوداني، إن صدر عن أي منشق، خطوة مهمة من الناحية المعنوية، لكن قيمته الحقيقية تتجسد في الأفعال اللاحقة، وفي احترام حقوق المواطنين، والمساهمة في إنهاء الحرب، والتعاون مع الجهات المختصة لكشف الحقائق وتحقيق العدالة لقد أنهكت الصراعات المتعاقبة إقليم دارفور، وعمقت النزاعات القبلية والاجتماعية جراحه، حتى جاءت الحرب الحالية لتضيف إلى معاناته أبعادًا أكثر تعقيدًا. ومع اقتراب أي نهاية محتملة للحرب، يصبح السؤال الأهم: كيف يمكن إعادة الإقليم إلى مسار الاستقرار، دون إعادة إنتاج أسباب الصراع القديمة؟
إن العودة إلى المربع الأول، حتى لو جاءت في صورة مختلفة، لن تحقق سلامًا مستدامًا. فدارفور تحتاج إلى معالجة جذور النزاعات، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإصلاح الخدمات، وجبر الضرر، وتحقيق المصالحات المجتمعية، وضمان مشاركة عادلة في إدارة الشأن العام، بعيدًا عن المحاصصات التي تجعل القبيلة أو المنطقة معيارًا وحيدًا لتوزيع السلطة والثروة.

وفي هذا السياق، تواجه القوات المشتركة تحديات كبيرة تتصل بدورها في الميدان ومستقبلها ضمن المنظومة العسكرية الوطنية. فاستعادة الدولة لسيادتها تتطلب معالجة مسألة تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة، والعمل على توحيد القوات تحت قيادة وطنية واحدة، وفق ترتيبات مهنية وقانونية واضحة إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى وحدة الصف، وتغليب المصلحة الوطنية، وبناء مؤسسة عسكرية مهنية تحمي البلاد ولا تتحول إلى طرف في الصراعات السياسية أو القبلية. فالسودان لن يستقر بوجود جيوش متعددة، ولا بمجرد انتهاء المعارك، بل بقيام دولة القانون والمؤسسات إن السافنا، بانشقاقه المعلن وعودته إلى جانب القوات المسلحة، اتخذ موقفًا شجاعًا في حسابات هذه المرحلة، لكن الشجاعة لا تُقاس بقرار واحد فحسب، بل بمدى الثبات على الموقف، والالتزام بواجبات حماية الشعب السوداني، والابتعاد عن كل ما يمكن أن يعيد إنتاج الانتهاكات والصراعات ولا ينتقص من قيمة الإنسان أن يراجع نفسه أو يعترف بخطئه، بل إن الاعتراف بالخطأ وتصحيح المسار قد يكونان بداية لتحول حقيقي. غير أن هذا التحول يحتاج إلى الصدق والاستمرار، كما يحتاج إلى احترام القانون وحقوق الآخرين وعندما تضع الحرب أوزارها، سيأتي التاريخ ليسجل مواقف السودانيين، من وقف مع المواطنين وحمى أرواحهم وممتلكاتهم، ومن أسهم في إشعال الحرب وإطالة أمدها، ومن اختار العودة إلى الوطن والعمل من أجل إنهاء المأساة وكتابة التاريخ ليست حكرًا على فرد أو جماعة، بل هي مسؤولية جماعية تستند إلى الشهادات والوثائق والوقائع، وتظل ذاكرة الشعب السوداني جزءًا أساسيًا من هذه العملية وتشير التطورات المتداولة إلى أن القوات المنشقة عن الدعم السريع قد تشارك في العمليات الرامية إلى استعادة مناطق في كردفان ودارفور. وإذا حدث ذلك، فإن مسؤولية هذه القوات ستكون مضاعفة: القتال وفق القانون، وحماية المدنيين، وصون الممتلكات، وتجنب الانتقام أو تصفية الحسابات تحت أي ذريعةكما أن السافنا قد يواجه تحديات اجتماعية وقبلية بسبب قراره، باعتباره أحد أبناء المنطقة وله امتدادات اجتماعية معروفة. لكن الموقف الوطني الحقيقي يقتضي أن تكون حماية الإنسان فوق كل اعتبار، وأن يكون الانتماء إلى السودان جامعًا لكل أبنائه.

كلمة أخيرة

لا غبار على من يختار العودة إلى صف الوطن ويسهم بصدق في الدفاع عنه، مهما كانت المآخذ على ماضيه، شريطة ألا تتحول العودة إلى وسيلة للإفلات من العدالة أو تكرار الأخطاء السابقة لقد اعتاد بعضنا أن يحكم على الآخرين من خلال الانطباع الأول، أو أن ينتقص من قيمة الأشخاص، أو أن يجعل الخصومات الشخصية والاجتماعية أساسًا لتقييم المواقف. لكن الحرب علمتنا أن الوقائع أكثر تعقيدًا من الأحكام السريعة، وأن مراجعة المواقف تظل ممكنة، وأن حماية الوطن مسؤولية تتجاوز الحسابات الضيقة مرحباً بكل من يترك صفوف التمرد، ويختار وقف القتال ضد الدولة والمواطنين، ويعود إلى مسار وطني يحترم القانون ويصون الحقوق فالسودان يسع الجميع، لكن العدالة حق للجميع أيضاً موعدك يا سافنا مع الأمة السودانية، ومع ما تبقى من تحديات كردفان ودارفور لقد فتحت بانشقاقك صفحة جديدة في مسيرتك، ويبقى عليك أن تثبت بالأفعال صدق موقفك، وأن تجعل من حماية المواطنين وحقن دمائهم عنوانًا لمرحلتك المقبلة. فالتاريخ لا يكتبه الزي العسكري ولا تحسمه التصريحات وحدها بل تصنعه المواقف الصادقة والأفعال التي تشهد لها الوقائع حقن دماء السودانيين شرف والانحياز إلى الوطن مسؤولية والعدالة أساس السلام

  1. ابتسام مهدي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى