
منذ أن عرف المجتمع السوداني التعليم الحديث ارتبطت الشهادة الجامعية في الوعي العام بالمكانة الاجتماعية والاستقرار والأمن الوظيفي، وكانت الأسرة تنظر إلى بعض المهن باعتبارها الطريق الطبيعي إلى المستقبل المنشود؛ فالطبيب طبيب، والمهندس مهندس، والأستاذ أستاذ، والصيدلي صيدلي، وفي زمان كانت فيه الدولة والمؤسسات تستوعب أعداداً كبيرة من الخريجين مقارنة بحاجة المؤسسات التي تفوقهم، كان هذا التفكير مفهوماً إلى حد بعيد لكن الاقتصاد تغير، وسوق العمل تغير معه، بينما لا تزال بعض الأسر تتعامل مع اختيار التخصص بمنطق قديم.
و هنا تحضرني قصة شاب سوداني أنهى المرحلة الثانوية بنتيجة مميزة، وكان يميل إلى مجال تقني يستطيع من خلاله العمل بصورة مستقلة وتأسيس مشروع صغير، غير أن الأسرة أصرت على تخصص آخر لأن أحد الأقارب يرى أنه أكثر مكانة ورفعة، وبعد سنوات من الدراسة أصبح يحمل شهادة جامعية، لكنه لم يجد نفسه في المجال الذي اختاره الآخرون له، وفي المقابل كان بعض زملائه الذين اختاروا تخصصات تقنية ومهنية يعملون لحسابه الخاص، ويطورون مهاراتهم، ويبحثون عن فرص خارج السودان.
هذه القصة ليست حكماً على تخصص بعينه، وإنما تعكس مشكلة أعمق: هل نختار تخصصاتنا وفق قدراتنا واحتياجات الاقتصاد وسوق العمل، أم وفق رغبات الأسرة ومحاكاة الآخرين؟
إن الطلاب أو الطالبات المقبلين على الجامعة يحتاجون إلى النظر إلى اختيار الرغبات باعتباره قراراً يتعلق بالاستثمار في رأس المال البشري، فالجامعة ليست مجرد سنوات للحصول على شهادة، وإنما مرحلة لبناء المعرفة والمهارة وشبكة علاقات والقدرة على الإنتاج وزيادة الدخل.
ولهذا ينبغي دراسة ثلاثة عناصر معاً: الميول والقدرات الشخصية، واحتياجات سوق العمل، وإمكانية تحويل المعرفة إلى نشاط اقتصادي مستقل.
وتزداد أهمية هذه الرؤية في السودان حيث تتسع الحاجة إلى مجالات ترتبط مباشرة بالإنتاج والخدمات والتكنولوجيا. ومن التخصصات التي يمكن أن تمنح الخريج مسارات متعددة: علوم الحاسوب وتقنية المعلومات، البرمجة والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، الأمن السيبراني، الهندسة الكهربائية والميكانيكية، الطاقة الشمسية والمتجددة، تقنيات المياه والبيئة، التقانات الزراعية، الصناعات الغذائية، المختبرات الطبية، المحاسبة والتمويل، وإدارة المشروعات وسلاسل الإمداد، كما أن بعض هذه المجالات يمكن أن يفتح أبواباً للعمل الحر و العمل عن بُعد والأسواق الإقليمية والدولية.
لكن لا ينبغي تحويل هذه القائمة إلى «تخصصات مضمونة»، فحاجة السوق تتغير احياناَ والنجاح يعتمد على جودة التعليم والمهارة والخبرة والقدرة على التعلم المستمر، وقد يصبح تخصص تقليدي أكثر قيمة عندما يمتلك صاحبه مهارات رقمية وإدارية ولغوية ومهنية قوية.
أما الأسرة خلال هذه الأيام والتي بدأ فيها التقديم الإلكتروني للجامعات للعام2026م/2027م والذي يمتد من يوم الخميس 17سبتمبر وحتي يوم السبت 26 سبتمبر2026م،
فدورها لا ينبغي أن يكون اختيار المستقبل نيابة عن أبنائها الطلاب والطالبات بل مساعدتهم على اكتشافه، ومن المفيد أن تجلس الأسرة وتسأل أبناءها: ماذا تحبون؟ ماذا تجيدون؟ أين يمكن أن تعملوا بعد التخرج؟ وهل تستطيعون تحويل تخصصكم إلى مشروع أو خدمة أو مهنة مستقلة في ظل عدم وجود وظيفة في القطاع الحكومي أو الخاص؟
والتحذير الأهم أن تقليد الآخرين قد يختصر عليك حيرة الاختيار اليوم، لكنه قد يطيل حيرة المستقبل سنوات، فلا ينبغي أن يختار الطلاب والطالبات تخصصاتهم لأن اصدقاءهم اختاروا، أو لأن اقرباءهم يرونه أكثر وجاهة، أو لأن المجتمع يصفه بأنه «مضمون».
إن السودان اليوم يحتاج إلى خريج لا يبحث عن الوظيفة فقط وإنما يمتلك المعرفة التي تمكنه من خلق قيمة اقتصادية وفرصة عمل لنفسه ولغيره.
لذلك قبل كتابة الرغبات الجامعية، ينبغي أن يكون السؤال: ما التخصص الذي يناسب قدراتي، ويحتاجه السوق، ويمكن أن أبني به مستقبلي داخل السودان أو خارجه؟
فالتخصص الجامعي ليس مجرد اسم في شهادة؛ إنه اختيار لمسار اقتصادي ومهني قد يمتد لعقود طويلة مدي الحياة فهل ندرك ذلك؟
فتكم بعااافية…نواصل@