Uncategorized

مجزرة صالحة وسقوط مليشيات الدعم السريع وحلفائهم

كوشى نيوز

بقلم: د. سلام توتو – لندن

طالعنا مؤخرًا مقاطع فيديو بثّها منسوبون إلى مليشيات الدعم السريع، أظهرت بوضوح عملية إطلاق نار على مدنيين بعد أن تم القبض عليهم، ثم إصدار أوامر بتصفيتهم بدمٍ بارد. وقد أثارت هذه المقاطع ردود فعل واسعة تندد بهذه الجريمة البشعة، التي تُعد جريمة حرب مكتملة الأركان بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949 الخاصة بحماية الأسرى والمدنيين أثناء النزاعات المسلحة.

في هذا المقال، نسلط الضوء على رد فعل مليشيات الدعم السريع وحلفائهم، الذين سارعوا إلى نفي علاقتهم بالجريمة، أو محاولة تبريرها بتصريحات متناقضة. فقد قرأنا بيانًا صادراً عنهم ينفي علاقتهم بالجريمة، ويزعم أن الشخص الذي أصدر أوامر التصفية لا يتبع للدعم السريع. وسنرد على هذه المزاعم لاحقًا.

في المقابل، شاهدنا فيديوهات موثقة يظهر فيها أحد ضباط الدعم السريع وهو يقرّ صراحة بإصداره أمر القتل، ذاكراً اسمه الكامل، ورُتبته العسكرية، ودفعته، مما يعزز مصداقية حديثه. غير أن الضابط حاول تبرير الجريمة بزعم أن الضحايا هم “عناصر من الجيش تنكروا في زي مدني”، ودخلوا إلى مناطق سيطرة الدعم السريع.

أولًا: في حال افتراض أن الضحايا من العسكريين
حتى إذا سلّمنا مؤقتًا بزعم الضابط، فإن ذلك لا يبرر القتل، إذ إنهم يصبحون أسرى حرب، ويجب معاملتهم وفقًا لاتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949:

– المادة 13:
“يجب معاملة أسرى الحرب معاملة إنسانية في جميع الأوقات. ويُحظر تعذيبهم أو قتلهم، سواء بدنيًا أو معنويًا.”

– المادة 130:
“القتل العمد لأسرى الحرب يُعد انتهاكًا جسيمًا ويُعتبر جريمة حرب.”

ثانيًا: في حال أنهم مدنيون – وهو المرجح
شهادات العديد من أهالي ومواطني مدينة صالحة تؤكد أن الضحايا كانوا مدنيين عُزّل، وبالتالي فإن هذه الجريمة تندرج تحت اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين:

– المادة 27:
“يجب معاملة الأشخاص المحميين (المدنيين) معاملة إنسانية دون أي تمييز.”

– المادة 32:
“يُحظر على الدولة المحتلة ممارسة أي تدابير قد تؤدي إلى وفاة المدنيين، خصوصًا القتل والتعذيب.”

ثالثًا: وفقًا لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية

– المادة 8، الفقرة (2)(أ)(i):
“القتل العمد لأشخاص محميين بموجب اتفاقيات جنيف، بما في ذلك أسرى الحرب والمدنيين، يُعد جريمة حرب.”

– الفقرة (2)(ب)(i):
“استهداف المدنيين عمدًا ممن لا يشاركون في الأعمال العدائية يُعد جريمة حرب.”

رابعًا: القانون الدولي العرفي

– القاعدة 89 (وفق اللجنة الدولية للصليب الأحمر):
“لا يجوز مهاجمة الأشخاص الذين لم يعودوا يشاركون في الأعمال القتالية، مثل الأسرى والمدنيين.”

خامسًا: مسؤولية حماية المدنيين والأسرى في مناطق النزاعات
تُعد حماية المدنيين والأسرى في مناطق النزاعات المسلحة من الواجبات القانونية الملزمة لجميع أطراف النزاع، سواء كانوا دولًا أو جماعات مسلحة. وقد نصّت اتفاقيات جنيف، إضافة إلى البروتوكولات الإضافية، على أن المسؤولية لا تسقط حتى في حال الفوضى أو غياب الدولة.

– تنص المادة الأولى المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع على أن:
“تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة باحترام هذه الاتفاقية وتكفل احترامها في جميع الأحوال.”

– ووفقًا للبروتوكول الإضافي الثاني (1977) الملحق باتفاقيات جنيف، فإنه:
“يتعين على كل طرف في النزاع أن يحمي المدنيين، والأشخاص الذين أصبحوا خارج القتال، وألا يتعرضوا لأي هجوم أو معاملة قاسية.”

وبما أن الجريمة قد وقعت في منطقة تقع تحت سيطرة مليشيات الدعم السريع، فإنها تتحمّل المسؤولية القانونية الكاملة عن سلامة المدنيين والأسرى فيها، وأي تقاعس عن ذلك يُعد خرقًا صارخًا للقانون الدولي ويستوجب الملاحقة أمام المحاكم الوطنية أو الدولية.

سادسًا: المقال موجه للثوريين المتحالفين مع المليشيات وليس للمجرمين أنفسهم
من المهم التوضيح أن هذا المقال ليس موجّهًا لمليشيات الدعم السريع، لأن هذه المليشيات، ذات السجل المثقل بالانتهاكات والجرائم، لم تُنشأ أصلًا للعمل في إطار قانوني أو أخلاقي، بل تمّ تأسيسها كقوة موازية للجيش السوداني لتنفيذ المهام القذرة، وارتكاب الجرائم التي لا تليق بأي مؤسسة نظامية.

فاقد الشيء لا يعطيه، والمحرم يجب أولًا أن يُحاسب على جرائمه، لا أن يُحاضر في القانون وحقوق الإنسان. وبما أن هذه المليشيات لا تزال حاليًا في خانة المتهم، بل والمجرم، فإنها ليست معنية بهذا الخطاب القانوني أصلاً.

المقال موجّه بالأساس إلى الفاعلين السياسيين والمدنيين والثوريين الذين يتحالفون مع هذه المليشيات، تحت ما يُعرف احتيالًا باسم “تحالف التأسيس”، والذين يحاولون خداع الشعب السوداني بالقول إن هذا التحالف يسعى إلى تكوين حكومة سلام في السودان.

لقد رأينا هذا المنحى بوضوح في خطابات عبدالعزيز الحلو وآخرين، ممن يحاولون تقديم الدعم السريع كسلطة بديلة قادرة على فرض الأمن والاستقرار.
لكن الواقع يفضحهم: إنهم ببساطة يحاولون إعادة تدوير المشروع المليشياوي في عباءة مدنية، وشرعنة مليشيا تورطت في مجازر بشعة، عبر خطاب ثوري زائف.

إن هذا الخطاب يشكّل خيانة أخلاقية لدماء الضحايا، ومحاولة لشرعنة القتل السياسي، وإعادة إنتاج المأساة التي خرجت الجماهير ضدها. هؤلاء هم المعنيون بالمقال، لأنهم باعوا ضمير الثورة، واختاروا التحالف مع القتلة.

خاتمة
إن هذه الجريمة، سواء تم ارتكابها ضد أسرى حرب أو ضد مدنيين، تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، وتستوجب المساءلة أمام العدالة الدولية. محاولة التهرب من المسؤولية أو تبريرها تحت أي ذريعة هو تكريس لسياسة الإفلات من العقاب التي لطالما عانى منها الشعب السوداني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى