شئ للوطن

م.صلاح غريبة … يكتب
الحاجة الماسة: تفعيل وتعزيز منصة وطنية للمسؤولية الاجتماعية
يمر السودان اليوم بأحد أحلك فتراته التاريخية. فالحرب الدائرة لم تقتصر آثارها على الدمار المادي ونزوح الملايين وفقدان الأرواح، بل مزقت النسيج الاجتماعي وألقت بظلالها الثقيلة على كل مظاهر الحياة. في خضم هذه الكارثة الإنسانية غير المسبوقة، يبرز مفهوم “المسؤولية الاجتماعية” ليست مجرد شعار أو رفاهية، بل كضرورة وجودية وملحّة، وكمفتاح رئيسي لتجاوز المحنة وبناء مستقبل أفضل. وفي هذا السياق، تصبح الحاجة لتفعيل وتعزيز منصة وطنية للمسؤولية الاجتماعية في السودان ليست مجرد فكرة، بل ركيزة أساسية للاستجابة للأزمة والتعافي.
إن مفهوم المسؤولية الاجتماعية، في جوهره، يدعو الأفراد والمؤسسات – سواء كانت حكومية أو خاصة أو منظمات مجتمع مدني – إلى تحمل نصيبهم من واجبات تجاه المجتمع والبيئة. وفي ظروف الحرب، يتضاعف هذا الواجب. فبينما تعاني البنية التحتية من الانهيار، والمؤسسات الحكومية من الشلل، وتتفاقم الاحتياجات الإنسانية بشكل لم يسبق له مثيل، تصبح القدرة على التنسيق وتوجيه الجهود وتعبئة الموارد المحلية والدولية أمرًا حيويًا. وهنا يأتي دور المنصة الوطنية للمسؤولية الاجتماعية.
الحاجة ملحة الآن للمسؤولية الاجتماعية من أجل تنسيق الاستجابة الإنسانية. تتسم الجهود الإغاثية في السودان بالتشظي والتداخل أحيانًا، أو بالنقص في مناطق أخرى. توفر المنصة الوطنية مظلة تنسيقية تجمع تحتها جهود المنظمات الدولية، والجمعيات الخيرية المحلية، والقطاع الخاص، والمبادرات الفردية. هذا التنسيق يضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها بأكثر الطرق كفاءة وشفافية، ويحد من الازدواجية، ويغطي الثغرات الجغرافية والقطاعية، مع ضرورة بناء المرونة المجتمعية، لتتجاوز المسؤولية الاجتماعية مجرد تقديم الغذاء والدواء. إنها تتعلق بتمكين المجتمعات المحلية من الصمود في وجه الأزمة، وتعزيز التكافل الاجتماعي، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للنازحين والمتضررين. يمكن للمنصة أن تكون حاضنة للمشاريع التي تعزز التماسك الاجتماعي، وتساهم في معالجة الصدمات النفسية التي خلفتها الحرب، وتشجع على مبادرات التعافي الذاتي.
على الرغم من التحديات، لا يزال للقطاع الخاص السوداني دور حيوي يمكن أن يلعبه في التخفيف من آثار الحرب. يمكن للمنصة الوطنية أن تكون حلقة وصل بين احتياجات المجتمع وقدرات الشركات، وتحفزها على الانخراط في مبادرات المسؤولية الاجتماعية، سواء عبر الدعم المالي، أو توفير الخدمات، أو توظيف المتضررين، أو المساهمة في إعادة الإعمار على المدى الطويل. إنها تخلق بيئة تشجع الشركات على رؤية دورها كشريك في إعادة بناء الأمة، وليس مجرد كيانات ربحية، بجانب ضمان الشفافية والمساءلة، ففي أوقات الأزمات، تزداد مخاطر الفساد وسوء إدارة الموارد. توفر المنصة الوطنية إطارًا يضمن الشفافية في جمع وتوزيع المساعدات، ويضع آليات للمساءلة، مما يعزز الثقة بين المانحين والمستفيدين، ويضمن أن كل دولار أو جهد مبذول يصل إلى حيث هو مطلوب، ولتكن قاعدة للتعافي وإعادة الإعمار حتى مع استمرار الحرب، يجب التفكير في مرحلة ما بعد النزاع. المنصة الوطنية للمسؤولية الاجتماعية يمكن أن تكون بمثابة نواة لجهود التعافي وإعادة الإعمار المستقبلية، بتوثيق الاحتياجات، وتحديد الأولويات، وتعبئة الموارد اللازمة لإعادة بناء البنية التحتية، وتوفير الخدمات الأساسية، وإعادة دمج المجتمعات.
لتحقيق أهدافها، يجب أن ترتكز المنصة الوطنية للمسؤولية الاجتماعية على عدة دعائم منها المشاركة الشاملة، فيجب أن تضم ممثلين عن الحكومة (حتى وإن كانت مؤقتة)، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني المحلية والدولية، والأكاديميين، والخبراء، مع إطار حوكمة واضح لتحديد الصلاحيات والمسؤوليات وآليات اتخاذ القرار لضمان الفعالية وتجنب البيروقراطية.
تواجد آلية لجمع وتحليل البيانات لتحديد الاحتياجات بدقة وتوجيه الموارد بفعالية، وتوفر برامج بناء القدرات، لتمكين المنظمات المحلية والمتطوعين على الأرض، وتوفر آليات للتوعية والتحفيز لتعزيز ثقافة المسؤولية الاجتماعية على نطاق واسع.
في ظل الظروف الراهنة، قد يبدو الحديث عن “منصة وطنية” أمرًا صعب التحقيق، لكنها في الواقع تزداد أهمية في أوقات الشدة. إنها ليست مجرد هيكل إداري، بل هي تجسيد للإرادة الجماعية للشعب السوداني ومؤسساته في التكاتف والتعاضد لتجاوز محنة الحرب وبناء غد أفضل. تفعيل وتعزيز هذه المنصة الآن ليس خيارًا، بل ضرورة حتمية لإنقاذ الأرواح، وإعادة بناء المجتمعات، وتمهيد الطريق لسلام مستدام وازدهار طال انتظاره في السودان. إنها استثمار في مستقبل ينتظره السودانيون بفارغ الصبر.
Ghariba2013@gmail.com

