أعمدة الرأي

شئ للوطن

صلاح غريبة
م.صلاح غريبة … يكتب
تعزيز الحرف اليدوية السودانية: فرصة من رحم الأزمة بالاستفادة من التجربة المصرية

لقد أدت الظروف الراهنة في السودان إلى نزوح أعداد غفيرة من أبنائه إلى مصر، حاملين معهم تراثهم الثقافي الغني، ومن بينه كنوز الحرف اليدوية التي تعكس الهوية السودانية الأصيلة. هذا التواجد الكثيف، وما صاحبه من احتكاك وتفاعل مع الثقافة المصرية، لا سيما في مجال الحرف اليدوية المتجذر في تاريخ البلدين، يمثل فرصة ذهبية لتعزيز استراتيجية وطنية سودانية للحرف اليدوية. ويمكن الاستفادة من التجربة المصرية الرائدة في هذا المجال، كما يتضح من استعراض الاستراتيجية الوطنية المصرية للحرف اليدوية (2025-2030).
تُظهر التجربة المصرية اهتمامًا بالغًا بإحياء الحرف التراثية واليدوية والحفاظ عليها واستدامتها. وقد تكللت هذه الجهود بوضع استراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى جعل مصر من أهم مراكز إنتاج وتصدير الصناعات اليدوية عالميًا. وتستند هذه الاستراتيجية على عدة محاور وأهداف رئيسية يمكن أن تكون بمثابة نموذج يُحتذى به للسودان ومنها منهجية الإعداد والتعاون، قامت الاستراتيجية المصرية على منهجية واضحة وشراكة واسعة بين الوزارات والجهات المعنية، وهو ما يضمن توحيد الجهود وتكاملها. بالنسبة للسودان، يمكن للمؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني السودانية في المهجر، بالتعاون مع نظرائها المصرية، البدء في حوار لوضع إطار عمل استراتيجي.
تتمثل رؤية الاستراتيجية المصرية الطموحة في بناء سلاسل قيمة تتميز بالتنافسية والاستدامة والقدرات الإبداعية، مع التركيز على البيئة الحاضنة التي توفر فرص عمل لائقة وتواجدًا قويًا في الأسواق الخارجية. يجب أن يكون للسودان رؤية مماثلة تسعى لتمكين الحرفيين السودانيين من الوصول إلى الأسواق العالمية والمحلية، مع الحفاظ على الأصالة والتراث.
حددت الاستراتيجية المصرية أهدافًا كمية ونوعية واضحة مثل زيادة الصادرات وتوفير فرص عمل جديدة وزيادة المشروعات الرسمية. يمكن للسودان أن يحدد أهدافًا مماثلة تتناسب مع ظروفه، مع التركيز على تدريب وتمكين الحرفيين السودانيين في مصر وتسهيل اندماجهم في سوق العمل المصرية لحين عودتهم لبلادهم.
تشمل الاستراتيجية المصرية خطط عمل تفصيلية تستهدف اختراق الأسواق وتنمية التكتلات الحرفية وتطوير البيئة التمكينية. كما أنها تتطلب إنشاء كيانات مؤسسية قوية واليات تنفيذية مثل “المجلس القومي للحرف اليدوية” و**”مركز تصميم وتصدير الحرف”**. هذه الكيانات يمكن أن تكون نموذجًا لمؤسسات سودانية تُعنى بالحرف اليدوية، سواء داخل السودان أو ككيانات مؤقتة تخدم الجالية في مصر، استعرضت التجربة المصرية معالجة التحديات في سلسلة قيمة الحرف اليدوية وقدمت حلولًا ممكنة، وهو ما يمكن أن يوفر دروسًا قيمة للسودان لتجنب الأخطاء الشائعة وتحسين الكفاءة.
يمثل تواجد الجالية السودانية في مصر فرصة غير مسبوقة لتعزيز الحرف اليدوية السودانية من عدة جوانب، ومنها حفظ التراث ونقله، حيث يمتلك الحرفيون السودانيون في مصر مهارات وخبرات متوارثة عبر الأجيال في مجالات مثل صناعة الفخار، الجلود، النسيج، والمشغولات اليدوية المختلفة. يجب دعم هؤلاء الحرفيين للحفاظ على هذه المهارات ونقلها للأجيال الجديدة، سواء من خلال ورش عمل أو برامج تدريب.
الاحتكاك بالثقافة المصرية الغنية بالحرف اليدوية يفتح آفاقًا للإبداع والابتكار. يمكن للحرفيين السودانيين دمج بعض العناصر والتقنيات المصرية في منتجاتهم، والعكس صحيح، مما يؤدي إلى التبادل الثقافي والإبداع  وتطوير منتجات فريدة تجمع بين أصالة التراثين.
يمكن للحرفيين السودانيين الاستفادة من الخبرة المصرية في التسويق والترويج للحرف اليدوية، والوصول الى الاسواق والتسويق المشاركة في المعارض والأسواق المصرية لتقديم منتجاتهم. كما يمكن العمل على إيجاد منصات إلكترونية مشتركة لتسويق المنتجات السودانية والمصرية، ويمكن للحرفيين السودانيين الاستفادة من برامج التدريب وورش العمل التي تقدمها الجهات المصرية المتخصصة في مجال الحرف اليدوية لبناء القدرات والتدريب ، لتعزيز مهاراتهم وتطوير منتجاتهم بما يتناسب مع متطلبات السوق الحديثة، كما يمكن استكشاف آليات للتمويل وتنمية وتطوير  المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر الموجهة للحرفيين السودانيين، بالتعاون مع الجهات المصرية المعنية، للمساعدة في تأسيس وتطوير ورشهم ومشاريعهم الخاصة.
بناءً على ما تقدم، بات من الضروري أن تبدأ الجهات السودانية المعنية، بالتعاون مع الجالية في مصر والدعم المصري، في صياغة استراتيجية سودانية وطنية للحرف اليدوية. هذه الاستراتيجية يجب أن تأخذ في الاعتبار الفرص التي يتيحها تواجد الجالية في مصر، وأن تركز على توثيق الحرف السودانية، بجمع وتوثيق المعلومات حول أنواع الحرف اليدوية السودانية، تقنيات صناعتها، وتاريخها، وتقديم الدعم المادي والفني للحرفيين السودانيين في مصر، وتسهيل حصولهم على المواد الخام والتدريب.
إقامة معارض تسويقية وترويجية خاصة بالحرف اليدوية السودانية في مصر، والمشاركة في الفعاليات الثقافية لتعزيز الوعي بالمنتجات السودانية، وبناء القدرات بتوفير برامج تدريبية متخصصة في التصميم، التسويق، وإدارة المشروعات الصغيرة، وتشجيع الابتكار في تصميم المنتجات السودانية لزيادة جاذبيتها، مع الاستدامة والابتكار  الحفاظ على أصالة التراث واستخدام مواد صديقة .
يجب أن تكون هذه الاستراتيجية جزءًا من رؤية أوسع لإعادة بناء الاقتصاد السوداني بعد انتهاء الأزمة، حيث يمكن للحرف اليدوية أن تلعب دورًا محوريًا في توفير فرص العمل وتعزيز الهوية الثقافية، من خلال التخطيط لمرحلة مابعد الأزمة.
إن الأزمة الراهنة في السودان، رغم قسوتها، قد خلقت نافذة فريدة لتعزيز الحرف اليدوية السودانية، مستلهمة من التجربة المصرية الناجحة. إنها دعوة للعمل المشترك بين الجالية السودانية في مصر والجهات المعنية في البلدين لتحويل التحدي إلى فرصة للنمو والازدهار الثقافي والاقتصادي.
Ghariba2013@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى