أعمدة الرأي

شيء للوطن


م.صلاح غريبة … يكتب
صُنَّاع الأمن في زمن التحدي: دور الشرطة بعد عبور المحنة

يأتي الاحتفال السنوي بذكرى اليوم الوطني لـ قوات الشرطة في الرابع من ديسمبر من كل عام، متزامناً مع يوم الشرطة العربية، ليذكّرنا جميعاً بالإرث العريق لهذه المؤسسة الوطنية. إنها مناسبة ليست للاحتفاء فقط ببلوغ أول مدير عام وطني منصبه في عام 1954، بل لتسليط الضوء على الدور المحوري الذي تضطلع به في أصعب الظروف.
تمر هذه الذكرى هذا العام والبلاد في قلب أحداث استثنائية عصيبة. لقد تعرضت الدولة لمِحنة فرضتها فئة متمردة، استهدفت مقدرات الوطن وحياة المواطنين، وحاولت طمس الهوية الوطنية. وفي خضم هذه الأزمة، كان لرجال الأمن نصيبهم من الاستهداف، حيث تعرضت مقراتهم للاعتداء وفقدوا منسوبين مضوا شهداء في سبيل الوطن. ورغم هذه التضحيات الجسام والأذى الذي لحق بهم، كان سرعة استجابتهم وإعادة تقديم الخدمات في وقت قياسي هو أول دليل قاطع على الفارق الجوهري بين مؤسسات الدولة الراسخة والتنظيمات المارقة.
إن تاريخ هذه القوات يزخر بسجل ناصع من الكفاءة والمهنية، وهو ما يشهد به الجميع مقارنة بالعديد من الأجهزة المماثلة. لتميزها في التحقيق والضبط هو ما عزز ثقة المواطنين بها على مر العقود. وفي المعركة الأخيرة، برز دور وحدات نوعية، قدمت تضحيات هائلة جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة. كما كان لشرطة الدفاع المدني دور لا يُنسى في استعادة الحياة الطبيعية للمناطق المحررة، من إزالة الأنقاض والجثامين، إلى توفير خدمات ضرورية للمواطنين في ظل ظروف الحرب القاسية.
مع اقتراب نهاية هذه المحنة، يزداد حجم المسؤولية الملقاة على عاتق هذه المؤسسة الأمنية. إن المرحلة القادمة تتطلب أن تكون الشرطة هي الركيزة الأساسية في استعادة الأمن والنظام عبر تعزيز سلطة القانون وفرض هيبة الدولة التي اهتزت بفعل التمرد، وحماية المدنيين والممتلكات منعاً لأي أعمال عنف أو فوضى محتملة قد تنشأ بعد توقف القتال، وحماية البنية التحتية ومنشآت الدولة المتضررة، بالاضافة الى تعزيز الثقة المجتمعية: العمل على رأب الصدع وتوحيد الكيانات الاجتماعية المختلفة، والتعاون مع الجميع لنشر الوعي الأمني، مع تطوير الإطار القانوني خاصة فيما يتعلق بضبط الوجود الأجنبي وتدفق اللاجئين عبر الحدود في ظل الظروف الراهنة.
وفي هذا السياق، تبرز قضية حيوية تتعلق بـ الكفاءات الداخلية. إن إعادة النظر في وضع ضباط الشرطة الذين تم فصلهم تعسفياً عقب أحداث سياسية سابقة، يمثل خطوة ضرورية لرفع كفاءة الجهاز. إن هؤلاء الضباط يمتلكون خبرات واسعة في التعامل مع الأزمات الأمنية، وستكون لعودتهم مساهمة إيجابية وفورية في تعزيز الأمن والاستقرار في مرحلة ما بعد الحرب التي تحتاج إلى كل كفاءة وخبرة.
إن الاحتفال بعيد الشرطة يتزامن أيضاً مع إحياء ذكرى ثورة وطنية تاريخية، مما يؤكد أن الإرث البطولي والفدائي هو جزء لا يتجزأ من وجدان هذا الشعب وقواته النظامية.
في الختام، تجدد هذه المؤسسة الأمنية العهد على مواصلة دورها الوطني بتفانٍ، لتظل درعاً واقياً للوطن ومؤسساته. ينتظرها الشعب لتبني على نجاحاتها في استعادة الأنظمة الضابطة للأداء، مثل السجل المدني والبصمة، لتكون القوة الدافعة لاستعادة مظهر الدولة وفرض القانون في كل شبر من البلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى