الأخبارأخبار محلية

حرب على الأشجار: الكلفة الخفية لفقدان الغطاء الشجري وغابة السنط في السودان


طلعت دفع الله عبد الماجد… يكتب
الغطاء الشجري وغابة السنط في السودان

تسبّبت الحرب الدائرة في السودان في واحدة من أعمق موجات التدهور البيئي في تاريخ البلاد. لم تقف الخسائر عند البشر والعمران فحسب، بل امتدّت إلى الغابات والأشجار التي تُعدّ خط الدفاع الأخير أمام التصحّر والفيضانات وتغيّر المناخ. ما يحدث اليوم هو حرب مفتوحة على الغطاء الشجري، ستدفع البلاد ثمنها الاقتصادي والاجتماعي والصحي لعقود قادمة.
تُقدَّر المساحات المتضررة من الأشجار في ولايات دارفور وكردفان والخرطوم والجزيرة بآلاف الهكتارات؛ ومع انهيار مؤسسات الدولة أو تعطّلها وتوقف برامج الحماية والرقابة، أصبح الحطب والفحم المصدر شبه الوحيد للطاقة المنزلية في كثير من المناطق. هذا الواقع ضاعف من معدلات القطع الجائر، بينما شكّل النزوح الواسع ضغطًا إضافيًا على الموارد الطبيعية في مناطق الاستقبال، حيث ارتفع الطلب على الحطب والرعي بصورة حادة.
اقتصاديًا، يتجسّد ثمن هذه الخسارة في تدهور التربة، تراجع الإنتاج الزراعي، وانخفاض إنتاجية الثروة الحيوانية بسبب فقدان الظل والمراعي الطبيعية. إزالة الأشجار تعني تعرية التربة أمام الرياح والأمطار، زيادة مخاطر الفيضانات والسيول، وارتفاع كلفة حماية البنية التحتية والحقول. كما تخسر المجتمعات الريفية مصدرًا مركّبًا للرزق، كانت الغابة توفّر فيه الغذاء والدواء ومواد البناء والدخل النقدي.
صحيًا، يدفع السكان ثمنًا مضاعفًا: تزايد الاعتماد على الفحم والحطب في بيئات مكتظة يولّد ملوثات هوائية داخل المنازل وخارجها، فيرفع معدلات الأمراض التنفسية، خاصة بين الأطفال وكبار السن. ومع انحسار الظل في المدن والقرى، ترتفع درجات الحرارة المحلية، وتتفاقم موجات الحر، وتزداد المشقة في العمل والحركة والحياة اليومية.
بيئيًا، يؤدي فقدان الأشجار إلى تراجع حاد في التنوع الأحيائي، واختفاء موائل لأنواع محلية من النباتات والحيوانات، واضطراب التوازن البيئي في أقاليم هشّة أصلاً مثل السافانا الجافة. الأشجار مخزون حيوي للكربون؛ وحين تُقطع أو تُحرق، يتحوّل هذا المخزون إلى غازات دفيئة تزيد من بصمة السودان الكربونية وتُضعف قدرته على التكيّف مع تغيّر المناخ، في حين يفقد البلد حجة قوية للحصول على تمويل دولي لمشروعات الاستعادة.
وتبرز غابة السنط بالمقرن في الخرطوم كأوضح مثال على الكلفة المركّبة لفقدان الأشجار. فهذه الغابة النيلية الحضرية ليست مجرد مساحة خضراء، بل نظام بيئي متكامل يخدم العاصمة يوميًا دون مقابل. أظهرت دراسة ميدانية داخل الغابة أن وجود أشجار السنط يُخفّض سرعة الرياح بنسبة 70–90%، ويقلّل تركيز ثاني أكسيد الكربون في الهواء بين 2–11%، ويخفّض درجة الحرارة بنحو 3–7%، مع زيادة ملحوظة في الرطوبة والأكسجين في الطبقة التي يتنفسها الناس. اختفاء هذا الغطاء الشجري يعني هواءً أشدّ سخونة وجفافًا وتلوثًا، وضغطًا أكبر على صحة سكان الخرطوم، لا سيما الفئات الأضعف.
من الناحية البيولوجية، وُثّق أن غابة السنط تؤوي نحو 87 نوعًا من الطيور، بينها قرابة 50 نوعًا من الطيور المهاجرة، إضافة إلى تنوّع كبير من الحشرات والكائنات اللافقارية المرتبطة بأشجار السنط والتربة. إزالة الغابة تقطع حلقة أساسية في مسار استراحة هذه الطيور، وتمحو “بقعة ساخنة” للتنوع الأحيائي داخل مدينة شبه صحراوية. كما تفقد الجامعات والباحثون موقعًا ميدانيًا نادرًا للتدريب والبحث، ويتراجع البعد العملي في برامج التعليم البيئي والغابي.
هيدرولوجيًا، تُعد غابة السنط جزءًا من منظومة الغابات النيلية التي تُثبّت ضفاف النيل، وتحدّ من تعرية التربة، وتساعد على ترشيح جزء من الرواسب والملوثات قبل وصولها إلى مجرى النهر. إزالة هذا الحاجز النباتي تعني زيادة مخاطر انجراف الضفاف، وتفاقم أخطار الفيضانات في منطقة المقرن والأحياء المجاورة، وخسائر مادية وبنيوية على المدى المتوسط، في وقت تتراجع فيه قدرة الدولة على تحمّل كلفة الإصلاح.
إلى جانب كل ذلك، يرتبط ملف الأشجار والغابات بالتزامات السودان الدولية في اتفاقيات مثل التنوع الاحيائي، الأراضي الجافة، وتغيّر المناخ. تدمير الغابات، وفي مقدمتها غابة السنط المُرشَّحة للتسجيل ضمن اتفاقية رامسار للأراضي الرطبة، يبعث برسالة سلبية تُضعف موقف السودان التفاوضي وفرصه في الحصول على تمويل لمشروعات الاستعادة والتكيّف، في حين يمكن لنفس الغابات – إذا حُميت وأُعيد تعميرها – أن تصبح منصات نموذجية لجذب الدعم الدولي.
إن الكلفة الحقيقية لخسارة الأشجار في السودان – على اتساع البلاد وخصوصية غابة السنط – تتجاوز الأرقام المباشرة؛ فهي تمس الأمن الغذائي، والصحة العامة، والاستقرار المناخي، ومصداقية الدولة في ملفات البيئة. إعادة تأهيل ما فُقد ستحتاج إلى عقود واستثمارات كبيرة، بينما الحفاظ على ما تبقّى اليوم أقل كلفة وأكثر حكمة. لذلك، فإن وقف النزيف البيئي، ودعم صمود المجتمعات المحلية، وتفعيل برامج حماية وإعادة تشجير مدروسة ينبغي أن يُعامل كجزء من ملف الأمن القومي، لا كترف بيئي مؤجل إلى ما بعد الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى