إقتصاد الناس* بقلم:د.عبدالله عجلون يكتب *دراسة الجدوى … عقلُ المشروع قبل أن يتحرّك رأس المال.*

.
في زمن تتقلّب فيه الأسواق وتضيق فيه الموارد، لم يعد كافياً أن نمتلك فكرة جيدة أو حماساً كبيراً لبدء مشروع، فالفكرة وحدها لا تصنع النجاح، والحماس وحده لا يحمي من الخسارة، إن ما يصنع الفارق حقاً هو دراسة الجدوى؛ ذلك “العقل” الذي يسبق حركة المال ويحدد إن كان المشروع خطوة إلى الأمام أم مغامرة غير محسوبة.
دراسة الجدوى عزيزي القارئ، ببساطة هي تحليل منظم لفكرة المشروع قبل تنفيذها، ولقياس فرص نجاحها ومخاطرها، وهي تجيب على أسئلة واضحة: هل هناك طلب حقيقي على المنتج أو الخدمة؟
كم سيكلف المشروع؟
ما حجم الأرباح المتوقعة؟
ومتى يمكن إسترداد رأس المال؟
هذه الأسئلة قد تبدو بديهية لكنها تمثل الفاصل بين مشروع يستمر وآخر يتعثر في بدايته.
بالنسبة للأفراد تمثل دراسة الجدوى صمام أمان للمدخرات الشخصية، فالشاب الذي يخطط لفتح متجر، أو الأسرة التي تستثمر في مشروع صغير، أو المزارع الذي يفكر في التوسع، جميعهم يغامرون برأس مال محدود غالباً ما يكون حصيلة سنوات من الإدخار، فدراسة الجدوى تمنحهم رؤية واقعية، وتساعدهم على حساب التكاليف بدقة، ومعرفة نقطة التعادل، وتقدير الأرباح المحتملة، بدل الإعتماد على التوقعات أو تجارب الآخرين فقط.
أما المؤسسات فإن أهمية دراسة الجدوى تتضاعف، فقراراتها الإستثمارية قد تشمل ملايين أو مليارات او ترليونات، وأي خطأ في التقدير قد يؤدي إلى خسائر كبيرة تؤثر على العاملين والمساهمين والسوق ككل، فدراسة الجدوى هنا ليست مجرد إجراء روتيني بل أداة إستراتيجية لإختيار أفضل البدائل الإستثمارية، وترتيب الأولويات، وتقليل المخاطر، كما أنها تعزز الشفافية، خاصة عند التعامل مع البنوك أو الشركاء أو المستثمرين.
وعلى مستوى الحكومات تصبح دراسة الجدوى قضية وطنية، فالمشروعات العامة، من مطارات و طرق وجسور ومحطات كهرباء ومستشفيات – تموَّل من المال العام، وإذا لم تُبنَ هذه المشاريع على دراسات دقيقة، فقد تتحول إلى أعباء مالية تثقل الموازنة وتزيد الدين العام دون عائد حقيقي، نجد دراسة الجدوى تساعد الدولة على توجيه مواردها المحدودة نحو المشاريع ذات الأثر الأكبر اقتصادياً واجتماعياً وبيئياً، وتقلل من الهدر وتعزز المساءلة.
كما أن دراسة الجدوى تكتسب أهمية خاصة في البيئات الاقتصادية غير المستقرة، حيث تتغير الأسعار وسعر الصرف بسرعة، وفي مثل هذه الحالات يسمح تحليل الحساسية وإختبار السيناريوهات بمعرفة كيف سيتأثر المشروع إذا ارتفعت التكاليف أو انخفضت الأسعار، وهذا يمنح متخذ القرار رؤية أعمق واستعداداً أفضل للمخاطر.
في جوهرها دراسة الجدوى ليست أوراقاً تُكتب لإقناع ممول أو إستيفاء إجراء إداري بل هي ثقافة في التفكير الرشيد، وإنها تعني أن القرار يُبنى على أرقام وتحليل لا على أنطباعات وعواطف، وعندما يتبنى الأفراد والمؤسسات والحكومات هذه الثقافة، فإنهم لا يحمون أموالهم فحسب، بل يؤسسون لإقتصاد أكثر استقراراً وكفاءة.
في الختام قبل أن نبدأ أي مشروع علينا أن نسأل: هل درسناه بما يكفي؟
لأن المشروع الذي يولد بلا دراسة، قد يموت قبل أن يرى النور، أما المشروع الذي يولد بعد دراسة واعية، ففرصته في النجاح تكون أقرب إلى الحقيقة من الحلم.
فتكم بعااافية…نواصل@
6/3/2026
