أعمدة الرأي

إقتصاد الناس*

 

:د.عبدالله عجلون يكتب

*إقتصاد على حافة النار: هل عجزت السياسات المالية عن إدارة زمن الحرب؟*

نجد في لحظات السلم، تُقاس كفاءة السياسات المالية بقدرتها على تحقيق الإستقرار والنمو، أما في زمن الحرب فتتحول المعايير جذرياً؛ حيث يصبح الهدف الأول هو البقاء الإقتصادي، وضمان الحد الأدنى من الخدمات، وتمويل المجهود الحربي دون إنهيار شامل، غير أن التجربة السودانية – كغيرها من إقتصاديات النزاع – تطرح سؤالاً جوهرياً: هل نجحت السياسات المالية في إدارة إقتصاد الحرب، أم أنها عمّقت الأزمة؟
من حيث المبدأ تتطلب إدارة إقتصاد الحرب مرونة مالية عالية، وإعادة ترتيب الأولويات بشكل حاسم، بحيث يتم توجيه الإنفاق نحو القطاعات الحيوية، مع ضبط العجز وتقليل الإعتماد على التمويل التضخمي، لكن الواقع يشير إلى إختلال واضح في هذه المعادلة. فقد اتسمت السياسات المالية خلال فترة الحرب بضعف القدرة على تعبئة الموارد المحلية، نتيجة لإنهيار النشاط الإقتصادي، وتراجع الإيرادات الضريبية، وإتساع الإقتصاد غير الرسمي.
في المقابل لجأت الحكومة كما هو متوقع – إلى أدوات تقليدية لسد الفجوة، أبرزها التوسع في طباعة النقود والإقتراض الداخلي وهو ما أدى إلى تصاعد معدلات التضخم بشكل حاد جدا، وإنخفاض القوة الشرائية للمواطنين، هذه السياسات وإن بدت حلاً سريعاً، إلا أنها في الحقيقة نقلت عبء الحرب مباشرة إلى جيوب المواطنين، عبر إرتفاع الأسعار وتآكل الدخول.

إشكالية أخرى تمثلت في ضعف كفاءة الإنفاق العام، ففي ظل غياب الشفافية والرقابة يصبح من الصعب التأكد من أن الموارد المحدودة يتم توجيهها بكفاءة نحو الأولويات الحقيقية، كما أن إستمرار الإنفاق غير المنتج، أو ما يمكن وصفه بـ”الإنفاق الإداري المتضخم”، يعكس خللاً هيكلياً في إدارة المالية العامة، خاصة في ظروف تتطلب التقشف والانضباط المالي.
إلى جانب ذلك لم تنجح السياسات المالية في خلق شبكة أمان إجتماعي فعالة، فالفئات الأكثر هشاشة من نازحين وعمالة غير منتظمة وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع تداعيات الحرب دون دعم كافٍ. وهذا يطرح سؤالاً حول العدالة في توزيع الأعباء، ومدى إدراك صانع القرار لخطورة التفاوت الإجتماعي في أوقات النزاع.
كما أن غياب التنسيق بين السياسات المالية والنقدية زاد من تعقيد المشهد. فبينما تسعى المالية العامة لتمويل العجز، يحاول البنك المركزي نظرياً كبح التضخم، ما يخلق حالة من التناقض تؤدي في النهاية إلى فقدان السيطرة على المؤشرات الكلية للإقتصاد، وفي ظل إقتصاد يعاني من شح النقد الأجنبي، وتدهور سعر الصرف، تصبح هذه التناقضات أكثر حدة وتأثيراً.
ورغم كل ذلك لا يمكن تحميل السياسات المالية وحدها كامل المسؤولية؛ فإقتصاد الحرب بطبيعته بيئة معقدة، تتداخل فيها العوامل السياسية والأمنية مع الإقتصادية، غير أن هذا لا يعفي صانع القرار من ضرورة تبني سياسات أكثر ابتكاراً، مثل تحسين إدارة الموارد، وتوسيع القاعدة الضريبية بشكل عادل، وتعزيز الشفافية، وإعادة هيكلة الإنفاق بما يتناسب مع الواقع الجديد.
في النهاية يبدو أن السياسات المالية لم تفشل فقط في إحتواء تداعيات الحرب، بل ربما ساهمت بشكل أو بآخر – في تعميق الإختلالات الإقتصادية والإجتماعية.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل ما نشهده هو عجز مرحلي فرضته ظروف الحرب، أم أنه إنعكاس لأزمة أعمق في فلسفة إدارة الاقتصاد نفسها؟

*فتكم بعااافية… نواصل@*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى