كلمات سحر علي تكتب..

..تحت سماء الجزيرة الحارقة.. كهرباء لا تأتي ولا تدع الخير يأتي
من مدن الحصاحيصا وود مدني إلى القرى الصغيرة الممتدة على ضفاف النيل يعيش أهالي ولاية الجزيرة أحر أيامهم تحت سماء لا ترحم وفي بيوت افتقدت ظل التيار الكهربائي الذي لا يأتي إلا متأخرا ويغادر باكرا، ويترك خلفه ساعات طويلة من الظلام واللهيب فبعد أن كانت العودة إلى الديار حلما راود النازحين لسنين تحولت العودة إلى كابوس حر وأعصاب منهكة، في وقت ارتفعت فيه درجات الحرارة إلى مستويات تهدد الحياة.
لا نبالغ إن قلنا إن انقطاع الكهرباء في الجزيرة لم يعد عطلا فنيا يصان ، بل أصبح سياسة تعذيب صامتة تمارس بحق مواطنين أُجبروا على النزوح، ثم أُجبروا على العودة إلى بنية تحتية أشبه بجثة هالكة فالتيار ينقطع فجأة، وقد يستمر انقطاعه لأكثر من ثماني أو عشر ساعات متواصلة خاصة في القرى والأرياف لتعود للحظات ثم تنطفئ مجددا وكأن شبكة الكهرباء تسخر من معاناة البشر
أكثر ما يدمي القلب هو منظر المرضى في بيوتهم الحارة فهناك طفل يعاني الربو وأم مصابة بالسكري وجد يجلس على كرسي متحرك كلهم يعيشون على أمل أن تعمل المكيفات أو المراوح لساعة واحدة تنقذهم من ضربة حر قد لا تغتفر أما الأدوية الحساسة للحرارة فتترك تذوب في ثلاجات لا تبردومضخات الأكسجين المنزلية تصمت كل ذلك يحدث بينما يستعد مسؤولوا الكهرباء لتبرير جديد يعلنون فيه أن العطل في محطة كذا أو أن الصيانة تتطلب قطع التيار.
أبناء الجزيرة الذين عادوا من مخيمات النزوح لم يكونوا يتوقعون جنة لكنهم كانوا يأملون على الأقل في حياة كريمة لكن الذي وجدوه هو حر الصيف يضرب بلا رحمة وأطفال يصرخون من ارتفاع الحرارة وآباء يبحثون في الظلام عن أي مروحة تعمل على بطارية سيارة حتى المياه التي تضخ بالكهرباء تنقطع فيصبح العطش رفيق الحر فتحولت البيوت إلى أفران تغلي بمن فيها
هذا الوضع لا يمكن أن يستمر إن استمرار الانقطاع الممنهج للكهرباء في ولاية الجزيرة ليس مجرد فشل خدمي بل هو انتهاك صريح للحق في الحياة والصحة وكأن المواطن مطالب بالصبر على النزوح ثم على العودة ثم على الحر ثم على الظلام ثم على المرض، وكأنه لا يستحق حتى ومضة نور تذكره بأنه إنسان
فاهل الجزيرة لا يطلبون المعجزات بل يطلبون فقط شبكة كهرباء تعمل نصف اليوم في ذروة الصيف و صيانة جادة للمحولات والمحطات، ومولدات احتياطية للمستشفيات والمراكز الصحية، و خطة طوارئ صيفية تنقذ الناس قبل أن تحصد الحرارة أرواحا لا تعوض ولأن أهالي الجزيرة عادوا إلى ديارهم محبة فيها فيجب ألا يدفعوا ثمن هذه المحبة بحياتهم
قبل فوات الأوان وقبل أن تتحول كل عيادة في ولاية الجزيرة إلى مشرحة صيفية صامتة أرسلوا لهم الكهرباء وإلا فقولوا لهم بصراحة أين ينزحوا هذه المرة هربًا من الحر وكهربائكم المتقطعة؟

