كلمات سحر علي تكتب …

العملة الجديدة، الاقتصاد القديم: لماذا لا تكفي الطباعة لإنقاذ الجنيه؟
مع إعلان بنك السودان المركزي اكتمال المرحلة الثانية من استبدال فئتي 500 و1000 جنيه، ووقف التعامل بالعملة القديمة اعتباراً من مساء الجمعة 15 مايو 2026، تتجه الأنظار إلى تساؤل مركزي: هل سيكون هذا القرار نقطة تحول نحو الاستقرار الاقتصادي، أم أنه مجرد مسكن لا يعالج جوهر الداء؟
الأهداف المعلنة تبدو طموحة بل وضرورية. فقد برر البنك المركزي الخطوة في إطار “حماية العملة الوطنية وتحقيق استقرار في سعر صرفها ومواجهة الآثار السلبية للحرب” وتهدف العملية إلى مواجهة التضخم، وكبح جماح الاقتصاد الموازي، وتعزيز الشمول المالي، واستعادة الثقة في القطاع المصرفي. ويُعَد سحب حوالي 85% من الكتلة النقدية التي يُقدر أنها كانت خارج القطاع المصرفي خطوة في الاتجاه الصحيح، لا سيما وأن إحدى الدوافع الأساسية كانت انتشار عملات “مجهولة المصدر” بسبب عمليات النهب التي تلت الحرب وفي ظل انخفاض التضخم المسجل بنهاية فبراير 2026 إلى 56.4%، قد يكون لهذا القرار بعض الآثار الإيجابية في المدى القصير.
لكن الحقيقة التي لا يمكن للمرء أن يتجاهلها هي أن هذا الإجراء النقدي يواجه مصيره على أرض تعاني من تشوهات هيكلية عميقة في مقدمتها الحرب.
فالاستبدال لا يزال قاصراً على نحو 7 ولايات من أصل 18 أي حوالي 40% فقط من مساحة البلاد مما أوجد حالة من الانقسام النقدي “ثنائية العملة” غير المسبوقة. هذه الفجوة ولدت سوقاً سوداء نشطة لتحويل الأموال، مما زاد الأعباء على المواطنين وأضعف كفاءة النظام المالي.
وفي الوقت الذي تنتهي فيه مهلة الاستبداد، ينهار سعر صرف الجنيه السوداني في السوق الموازي متجاوزاً حاجز 4,200 جنيه للدولار الواحد بينما يبلغ سعره الرسمي في البنوك نحو 3,900 جنيه، الأمر الذي يثير علامات استفهام كبرى حول مدى قدرة إجراء إداري مهما بلغت كفاءته على ردع قوى السوق التي تتغذى على انعدام الثقة وعدم الاستقرار.
لكن التحدي الأكبر ربما لا يكمن في السوق، بل في أنماط الاستهلاك والإنتاج فقرار استبدال العملة لم يأتي في فراغ بل تزامنت معه إجراءات تقييدية أخرى كحظر استيراد أكثر من 40 سلعة وإذا كانت نية الحكومة حماية الاقتصاد فإنه وبحسب عدد من الخبراء الاقتصاديين حذروا من أن مثل هذه القيود، في غياب بدائل محلية جاهزة، تؤدي إلى تفاقم الأزمة وتخلق ندرة في السلع وتزيد الطلب على الدولار في السوق الموازي مما يرفع التضخم ويؤدي في النهاية إلى نتيجة عكسية تماماً.
في نهاية المطاف يمكن القول إن استبدال العملة هو بمثابة مسكن قوي لألم حاد فهو يحمي ما تبقى من مقدرات الدولة ويكافح التزوير ويضبط الكتلة النقدية لكن لا يمكن بحال من الأحوال وصفه بالعلاج الجذري. فالاستقرار الدائم للجنيه السوداني مرهون بإنهاء الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحرير الإنتاج وجذب الاستثمار وإعادة الثقة بالاقتصاد الوطني المعركة الحقيقية هي معركة سياسية وإنتاجية وليست مجرد معركة طباعة عملة.
sahar114ali@gmail.com
