أعمدة الرأي

وجه الحقيقة إبراهيم شقلاوي يكتب….

الخدمة المدنية على المقصلة

أصدر وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية معتصم أحمد صالح في وقت سابق القرار رقم (22) لسنة 2026 ، والقاضي بتشكيل لجنة فنية عليا لحصر العاملين بالحكومة الاتحادية، وتحديد الفئات التي تنطبق عليها شروط المعاش المبكر، ووضع تصور لتقليص عدد العاملين ورفع توصيات بشأن كيفية تخفيضهم، مع منح اللجنة صلاحيات واسعة للاطلاع على بيانات مؤسسات الدولة والاستعانة بمن تراه مناسبًا لإنجاز مهامها.

من زوايا متعددة يفهم القرار باعتباره إجراءات إدارية لإعادة هيكلة الخدمة المدنية، غير أن القراءة السياسية والتنموية الأعمق تكشف أنه يتجاوز الإصلاح الإداري وترشيد الإنفاق، ليتصل بمسار انتقال أُشير إليه سابقًا، وهو ما نناقشه في هذا المقال في ضوء سياقاته وخلفياته السابقة.

منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، لم يعد الجهاز الحكومي يعمل بكامل طاقته، بل استمر بأقل من نصف قدرته الفعلية، لا لأن ذلك يكفي لإدارة الدولة، وإنما كصيغة استثنائية فرضتها الحرب والنزوح وتعطل المؤسسات وصعوبة الحركة. وعليه، فإن ما بدا خلال السنوات الماضية قدرة على تسيير الدولة بنصف قوتها العاملة لم يكن دليلًا على فائض وظيفي، بقدر ما كان تشغيلًا اضطراريًا فرضته الضرورة.

ومن هنا تبرز أولى المفارقات. فالدولة التي تستعيد عودتها إلى العاصمة الخرطوم واستعادة عمل مؤسساتها، لن تكون أمام مهمة تشغيل المكاتب فقط، بل أمام استحقاقات ،إعادة الإعمار واستعادة الخدمات وإحياء دولاب العمل اليومي، وإعادة تشغيل قطاعات الجمارك والضرائب والسجل المدني والتعليم والصحة. لذلك المرحلة المقبلة تحتاج إلى استعادة كامل القوة العاملة، بإعادة توزيعها وتأهيلها، لا تقليصها بصورة تعسفية.

يمتد هذا الجدل إلى جذور أعمق في التجربة السودانية، حيث سبق أن طُرحت في سنوات حكم الإنقاذ، عبر وزير المالية الأسبق عبد الرحيم حمدي، ورقة بحثية حول إعادة صياغة فلسفة التوظيف الحكومي تقوم على الانتقال من الوظيفة الدائمة إلى نظام تعاقدي مباشر يخضع للتجديد كل عامين، مقابل منح رواتب أعلى ترتبط بالكفاءة والتخصص والإنتاجية.

غير أن تلك الرؤية، رغم وجاهتها الاقتصادية والتنموية، لم تجد الحماس الكافي داخل مؤسسات الدولة، لا لضعفها الفني، بل لتعقيدات تتصل بالبنية الاجتماعية والسياسية وطبيعة الدولة في تلك المرحلة.

فالخدمة المدنية في السودان لم تكن يومًا مجرد جهاز للرواتب أو إدارة الموارد البشرية، بل مثلت أحد ممسكات الوحدة الوطنية، ومظهرًا للدولة الحديثة، وحاضنة لاستقرار الطبقة الوسطى واستمرارية المؤسسات الحكومية . لذلك فإن المساس بفكرة الوظيفة المستقرة لا يمس الإدارة وحدها، بل يطال جوهر العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها.

اللافت أن ملف الخدمة المدنية ظل محل جدل، حيث عاد بقوة خلال مرحلة حكومة عبد الله حمدوك ضمن الانتقال السياسي والدعم الدولي. وكان ضمن تفويض بعثة “يونيتامس”، بناءً على طلب الحكومة، تقديم الدعم الفني والمؤسسي لإصلاح مؤسسات الدولة، بما في ذلك الخدمة المدنية، عبر بناء القدرات وتعزيز الحوكمة وتطوير مؤسسات أكثر كفاءة.

لكن ذلك المسار لم يتحول إلى برنامج مكتمل، إذ انزلقت المرحلة سريعًا من مربع بناء الدولة إلى مربع إدارة الأزمة السياسية، وانشغلت البعثة والحكومة بالصراع السياسي أكثر من الانخراط في الإصلاح الهيكلي.

ومن هذه الزاوية، يبدو أن القرار أقرب إلى عودة مشروع مؤجل، أكثر من كونه استجابة ظرفية لأزمة مالية. وهنا تزداد حساسية المشهد. فمنذ سقوط حكومة عمر البشير ، ظل ملف الخدمة المدنية حاضرًا في الخطاب السياسي باعتباره أحد أهم ميادين النفوذ وصراع النقابات داخل الدولة.

وتكررت داخل النقاشات السياسية الداخلية، وكذلك في بعض الرؤى الإقليمية والدولية التي تتعامل مع ملف السودان، إشارات إلى أن مؤسسات الدولة ما تزال تحمل آثار تراكمات قديمة “الدولة العميقة” ، وأن أي انتقال يتطلب إعادة بناء هذه المؤسسات على أسس جديدة من الحياد والكفاءة.

لكن من المهم عدم إغفال ملاحظة جوهرية تتعلق بطبيعة اللجنة التي رفعت توصياتها، إذ إن منح لجنة محدودة التفويض صلاحيات تمس مصير آلاف العاملين يفتح الباب أمام تساؤلات مهمة حول الحوكمة وضمانات الشفافية، في ظل غياب مؤسسة تشريعية منتخبة تضطلع بالرقابة والمساءلة.

وقد أثبتت تجارب سابقة، وعلى رأسها تجربة “لجنة إزالة التمكين” عقب 2019، أن ضعف الضوابط القانونية واتساع مساحة التقدير السياسي في قرارات الاستبعاد قد يحول مسارات الإصلاح إلى أدوات لإعادة موازين النفوذ، بدل أن تكون رافعة لترسيخ العدالة وتعزيز الحكم الرشيد.

بحسب #وجه_الحقيقة، فإن غياب الشفافية والمجلس التشريعي، وارتباك المعايير المهنية، قد يحوّل الإصلاح، حتى تحت شعارات الكفاءة والحوكمة، إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ داخل مؤسسات الدولة بوسائل ناعمة. ومن هذا المنظور، يبدو ما يجري امتدادًا لمشروع مؤجل منذ ما بعد سقوط نظام عمر البشير، ظل فيه ملف الخدمة المدنية ساحةً للتجاذبات، متقاطعًا مع رؤى داخلية وإقليمية ودولية تربط الاستقرار بإعادة هيكلة المؤسسات، ليبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام إصلاح للدولة، أم أمام مقصلة الخدمة ؟.
دمتم بخير وعافية.
الاثنين 18 مايو 2026 م Shglawi55@gmail.com
#الخدمة_المدنية
#إعادة_هيكلة_الدولة
#إصلاح_الدولة
#السودان
#بناء_الدولة
#إبراهيم_شقلاوي
#الحوكمة
#إدارة_الانتقال
#إعادة_بناء_المؤسسات
#مستقبل_السودان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى