إقتصاد الناس ….بقلم .د.عبدالله عجلون

كيف تبدأ مشروعاً صغيراً؟
في كل مراحل التاريخ الاقتصادي لم تبدأ النهضات الكبرى من الشركات العملاقة وحدها بل انطلقت غالباً من مشاريع صغيرة حملت أفكاراً بسيطة وطموحات كبيرة، فالحرفيون والتجار وصغار المزارعين كانوا عبر التاريخ أساس الحركة الاقتصادية في المجتمعات، ومن رحم الورش الصغيرة والأسواق الشعبية(امدورور) خرجت كثير من المؤسسات التي أصبحت لاحقاً علامات مؤثرة في الاقتصاد، ولذلك لم تعد المشاريع الصغيرة مجرد نشاط محدود، بل أصبحت اليوم أحد أهم محركات التنمية وتوفير فرص العمل في العالم.
وفي السودان ورغم الحروب الكثيرة والأزمات الاقتصادية التي أدت الي ارتفاع معدلات البطالة، ما تزال المشاريع الصغيرة تمثل نافذة أمل حقيقية للشباب والأسر، فالواقع السوداني مليء بنماذج ناجحة بدأت بإمكانات بسيطة ثم تحولت إلى مصادر دخل وإستقرار، فالكثير من النساء بدأن مشاريع صغيرة في صناعة المأكولات المحلية الشعبية والمعجنات والبخور و العطور السودانية وتجارة التجزئة من داخل المنازل، ثم توسعت أعمالهن عبر التسويق الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي حتى أصبحن يمتلكن علامات تجارية معروفة داخل وخارج السودان.
كما ظهرت نماذج ناجحة لشباب دخلوا مجال الزراعة الحديثة والإنتاج الحيواني والتجارة الإلكترونية والخدمات التقنية برؤوس أموال محدودة، لكنهم اعتمدوا على الإبداع والاجتهاد وفهم احتياجات السوق. وفي ولايات مثل الجزيرة ونهر النيل وشمال كردفان وجنوب كردفان والقضارف، استطاع بعض الشباب تحويل مشاريع صغيرة في إنتاج السمسم والفول السوداني والصمغ العربي والعسل إلى أنشطة تجارية وفرت فرص عمل لغيرهم وأسهمت في تنشيط الاقتصاد المحلي.
إن بداية أي مشروع ناجح لا ترتبط دائماً بكثرة المال، بل بحسن الفكرة والإدارة. فالكثير من التجارب السودانية الناجحة بدأت من “ركشة”، أو كشك صغير، أو طبلية، أو ورشة حدادة، أو محل صيانة هواتف، أو مشروع منزلي محدود، ثم تطورت تدريجياً بفضل الصبر والانضباط والثقة مع الزبائن، وهذا يؤكد أن المشروع الصغير ليس مشروعاً هامشياً كما يعتقد البعض، بل قد يكون نواة لمؤسسة كبيرة إذا توفرت له البيئة المناسبة،
لكن النجاح يحتاج إلى خطوات مدروسة، فأول خطوة هي اختيار مشروع يلبي حاجة حقيقية في السوق، ثم دراسة التكاليف والأرباح المتوقعة، والبدء بإمكانات متدرجة بعيداً عن المغامرات غير المحوسبة، كما أن حسن الإدارة المالية عامل حاسم لأن كثيراً من المشاريع تفشل بسبب الخلط بين دخل المشروع والمصروفات الشخصية أو بسبب التوسع السريع دون تخطيط.
وقد ساعدت التكنولوجيا في السودان على خلق فرص جديدة للمشاريع الصغيرة، خاصة مع انتشار التسويق عبر “فيسبوك” و“واتساب” والمنصات الرقمية، فأصبح بإمكان شاب أو شابة إدارة مشروع من المنزل والوصول إلى العملاء بسهولة وبتكلفة أقل من الطرق التقليدية، غير أن العقبات ما تزال كبيرة، مثل ارتفاع الرسوم والجبايات، وضعف التمويل، وغياب التدريب المهني، وتذبذب أسعار العملات والسلع، ولذلك فإن دعم المشاريع الصغيرة يجب أن يتحول إلى سياسة اقتصادية حقيقية، عبر التمويل الأصغر، وتبسيط الإجراءات، وإنشاء مراكز تدريب وتأهيل للشباب، وتشجيع الصناعات المحلية والإنتاج الزراعي.
إن السودان لا تنقصه الطاقات ولا الأفكار، بل يحتاج إلى بيئة تعطي الشباب فرصة حقيقية للعمل والإنتاج، فكم من قصة نجاح سودانية بدأت من الصفر ثم أصبحت مصدر رزق كريم لصاحبها ولعشرات الأسر من حوله، وفي ظل الأزمات الراهنة يبقى المشروع الصغير واحداً من أهم أبواب الصمود الاقتصادي وبناء المستقبل.
فتكم بعااافية…نواصل@
