أعمدة الرأي

كلمات سحر علي تكتب..

مجذوب أونسة... يا وداع الصباح الذي ابكى السودان

في صباح يوم كأيام السودان العادية، اختطف الموت فناناً كان بالنسبة لكثيرين مرادفاً للصدق الفني والإحساس الصادق. غيّبه حادث أليم على طريق عطبرة – أم درمان، تاركاً خلفه مسيرة غنائية غنية وجرحاً عميقاً في قلب المشهد الفني السوداني.
ولد مجذوب أونسة في قرية نقزو بمدينة بربر، التابعة لولاية نهر النيل، تلك القرية الريفية التي عمل أهلها بالزراعة والذهب، حيث ورث أونسة مهنة “الصاغة” عن والده وبرع فيها قبل أن يستجيب لمناداة الفن هذه المفارقة العجيبة تنطوي على دلالة عميقة: الرجل الذي عمل في تشكيل الذهب وصياغته انتقل بصنعةٍ أخرى لا تقل حساسية، ألا وهي صياغة الإحساس بالكلمات والألحان كما وصفه أحد النقاد بأنه الفنان الذي “صاغ الإحساس ذهباً” وهو توصيف يختصر عبقرية أونسة في تحويل المشاعر إلى جواهر غنائية تظل محفورة في الذاكرة.
لم يكن مجذوب أونسة مجرد مطرب عابر إنما واحد من أهم الأصوات الغنائية التي رفدت الساحة منذ السبعينيات وهو من الجيل الثالث من الفنانين السودانيين الذين ظهروا في منتصف السبعينيات إلى جانب ثنائي محمد سلام ونجم الدين الفضيل كان صوته “الذي وصف بالحنينة والعذبة” قادراً على إيصال أقصى درجات الشجن والحب بصدق نادر، مما جعله مرجعاً للكثير من الأصوات الشابة التي اقتدت به.

ما يميز مسيرة أونسة أنه استطاع أن يوازن ببراعة بين الأصالة والتجديد حيث مزج بصوته الفريد بين أصالة التراث الغنائي السوداني واللمسة العصرية من “عزيز أنت يا وطني” إلى “إزيك إنتي” و”حد يقدر ينسى نفسه”، مروراً بـ”أقدار” و”ما سلامك” قدم أونسة ثروة من الأعمال التي شكلت وجدان السودانيين عبر العقود لقد كان فنانا شامخا كما وصفه أحد النقاد، “أثرى حقيبة الأغنية السودانية بعدد وافر من الأعمال التي وجدت صداها لدى المستمع السوداني”
لكن ما يجعل رحيل مجذوب أونسة مؤلما هذه المرة، هو النسيج الذي رافق رحيله. فقبل أيام فقط كان الفنان حاضراً في مشهد مؤثر في مطار الخرطوم الدولي، حيث صعد على مدرج طائرة سودانير التي هبطت لأول مرة منذ سنوات، حاملاً عوده وغامراً الركاب والحشود بأغنيته الشهيرة “عزيز أنت يا وطني”. كانت لحظة استثنائية، تجسد قدرة الفن على لملمة الجراح في زمن الحرب والألم وتظهر علاقة هذا الفنان العضوية بوطنه.
في هذا الرثاء لا نقف كثيراً أمام تفاصيل الحادث الأليم قدر ما نتوقف أمام ما تركه الراحل من إرث. فقد رحل مجذوب أونسة لكنه يظل حياً في كل مرة تُردد فيها أغانيه، وفي كل قلب سوداني وجد في صوته ملاذاً للأحزان وتعزية للأرواح لقد كان بحق “زول قلبو في لسانو” حيث الكره والغضب لا يعرفان طريقاً إلى قلبه وأخلاقه وتواضعه جعلته محبوباً من زملائه ومريديه على حد سواء
رحم الله الفنان الكبير مجذوب أونسة وألهم أسرته ومحبيه وكل السودانيين الصبر والسلوان لن تخلو الساحة الفنية من صوته لكنها ستبقى أفقر بدونه تنتظر من يأتي ليرد الجميل لفن أصيل حمل لواءه بجدارة واستحقاق.
sahar114ali@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى