اقتصاد الناس بقلم:د.عبدالله عجلون

السودان بين تحولات الحرب وتحديات الوحدة الوطنية
لم تكن الدول عبر التاريخ تسقط دائماً بفعل الغزو الخارجي، بل كثيراً ما تآكلت من الداخل عندما عجزت عن إدارة التنوع وتحقيق التوازن بين المركز الأطراف، ومنذ استقلال السودان العام 1956م ظل سؤال الوحدة الوطنية مطروحاً بأشكال مختلفة، لكنه عاد اليوم أكثر إلحاحاً وخطورة في ظل الحرب المستمرة وما أفرزته من وقائع سياسية وعسكرية جديدة قد تتجاوز حدود الصراع الراهن إلى تهديد بنية الدولة نفسها.
فعندما انفصل جنوب السودان عام 2011م، اعتقد كثيرون أن السودان استوعب درس التقسيم وأن تجربة الانفصال أصبحت جزءاً من الماضي، غير أن التطورات الجارية في دارفور وجزء من شمال كردفان، وما يرتبط بها من تعقيدات في جنوب كردفان (جبال النوبة) والنيل الأزرق، تفرض قراءة جديدة لمستقبل البلاد، خاصة مع ظهور مؤسسات وهياكل موازية تسعى إلى إدارة مناطق نفوذ خارج إطار الدولة المركزية.
الخطورة لا تكمن فقط في استمرار العمليات العسكرية، بل في تشكل واقع سياسي جديد على الأرض. فدارفور التي تمتلك خصوصية تاريخية وإرثاً سياسياً سابقاً للدولة الحديثة، أصبحت اليوم محوراً لصراع يتجاوز السيطرة العسكرية إلى بناء أدوات حكم وإدارة وأمن، وفي الوقت نفسه فإن جنوب كردفان/جبال النوبة والنيل الأزرق يمثلان امتداداً طبيعياً لهذا المشهد بحكم التاريخ المشترك للحركات المسلحة والقضايا المرتبطة بالهوية وتقاسم السلطة والثروة.
ومن منظور اقتصادي فإن ما يجمع هذه الأقاليم الثلاثة ليس الجغرافيا فقط، بل أيضاً الثروات والموارد الاستراتيجية فدارفور تملك احتياطيات مهمة من الذهب والثروة الحيوانية والأراضي الزراعية، بينما تتمتع جنوب كردفان بموارد معدنية وزراعية ضخمة، ويشكل النيل الأزرق أحد أهم الأقاليم الواعدة في مجالات الزراعة والموارد الطبيعية، لذلك فإن أي حالة انقسام أو إدارة موازية لهذه المناطق لا تعني خسارة أراضٍ فحسب بل تهدد بفقدان جزء معتبر من مقومات الاقتصاد الوطني.
وتزداد خطورة المشهد إذا نظرنا إلى الترابط الجغرافي بين هذه الأقاليم الثلاثة إذ يمكن أن يشكل امتدادها نطاقاً واسعاً يربط غرب السودان بجنوبه الشرقي وهي منطقة السافنا الغنية، وهو ما يمنح أي مشروع سياسي أو عسكري في هذه المناطق عمقاً استراتيجياً وقدرة أكبر على الاستمرار. وعندما تتوافر الأرض والسكان والموارد والمؤسسات، فإن الحديث لا يعود عن تمرد عابر، بل عن احتمالات تتعلق بمستقبل الدولة نفسها.
ورغم ذلك فإن الطريق إلى الانفصال ليس قدراً محتوماً، فما تزال غالبية القوى السياسية والاجتماعية في هذه الأقاليم تتحدث عن إصلاح الدولة وإعادة بنائها أكثر من حديثها عن الانفصال، لكن التجارب الدولية تؤكد أن استمرار الحروب وتراكم الأزمات الاقتصادية وتراجع سلطة الدولة قد يدفع المجتمعات تدريجياً نحو خيارات لم تكن مطروحة من قبل.
إن التحدي الحقيقي أمام السودان اليوم لا يتمثل في كسب المعارك العسكرية وحدها بل في كسب معركة الدولة الوطنية نفسها، فالحفاظ على وحدة البلاد يتطلب مشروعاً شاملاً يعالج جذور التهميش، ويعزز التنمية المتوازنة، ويعيد بناء الثقة بين المركز والأقاليم.
ويبقى الخطر الأكبر أن ينشغل السودانيون بتفاصيل الحرب اليومية من حركة المتحركات علي الارض و ظهور المسيرات في الفضاء هنا و هناك، بينما تتشكل في الأطراف وقائع جديدة قد يصعب التراجع عنها مستقبلاً. فالدول لا تتفكك في لحظة واحدة بل تبدأ رحلة التآكل عندما تتراجع هيبة المؤسسات وتتعدد مراكز السلطة، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ندرك الحكومة حجم التحدي قبل أن يتحول مثلث دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق المدعوم من الدول المعادية للسودان إلى أخطر اختبار لوحدة الدولة في تاريخها الحديث؟
فتكم بعااافية… نواصل@




