أعمدة الرأي

لماذا تنهض دول و تتعثر اخري؟

منذ فجر التاريخ الغابر ظلت حركة الأمم و الشعوب بين الصعود والهبوط، تخضع لقوانين لا تختلف كثيراً عن قوانين الطبيعة؛ فالدول التي تحسن إدارة مواردها وتبني مؤسساتها وتستثمر في إنسانها تتقدم بينما تتراجع الدول التي تستنزف طاقاتها في الصراعات والانقسامات وسوء الإدارة، ولعل السؤال الذي ظل يطرح نفسه عبر الأجيال هو: لماذا تنهض بعض الدول من تحت الركام بينما تعجز أخرى عن النهوض رغم امتلاكها لموارد هائلة؟
عقب الحرب العالمية الثانية1948م كانت ألمانيا دولة مدمرة بالكامل، مدن مهدمة، واقتصاد منهار، وملايين القتلى والنازحين و اللاجئين، لكن القيادة السياسية آنذاك أدركت أن إعادة البناء لا تبدأ بالحجارة والإسمنت، وإنما ببناء المؤسسات واحترام سيادة القانون وإطلاق طاقات الإنتاج، وخلال عقود قليلة تحولت ألمانيا إلى واحدة من أكبر الاقتصاديات الصناعية في العالم، ليس بفضل الموارد الطبيعية وإنما بفضل الإدارة الرشيدة والانضباط والاستثمار في الإنسان.
وفي إفريقيا تقدم دولة رواندا نموذجاً أكثر قرباً من واقع الدول الخارجة من النزاعات. فبعد الإبادة الجماعية عام 1994م التي راح ضحيتها مئات الآلاف، وتوقع كثيرون أن تظل البلاد غارقة في الفوضى لعقود طويلة لكن القيادة الرواندية اختارت طريق المصالحة الوطنية وبناء المؤسسات ومكافحة الفساد وتحسين بيئة الاستثمار، فتحولت رواندا خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أسرع الاقتصاديات نمواً وأكثرها استقراراً في القارة الإفريقية.
أما دولة ماليزيا فقد كانت في ستينيات القرن الماضي دولة نامية تعتمد بصورة كبيرة على تصدير المواد الخام غير أن الرؤية الاستراتيجية التي تبنتها قيادتها ركزت على التعليم والتصنيع والتكنولوجيا وجذب الاستثمارات الاجنبية، فانتقلت البلاد تدريجياً من اقتصاد زراعي بسيط إلى اقتصاد صناعي متنوع قادر على المنافسة عالمياً.
هذه التجارب الثلاث تؤكد حقيقة جوهرية مفادها أن الموارد وحدها لا تصنع النهضة وإنما تصنعها المؤسسات والكفاءات والرؤية الواضحة، وهنا يبرز السؤال المؤلم في الحالة السودانية: لماذا لم يتمكن السودان حتى الآن من تحقيق ما حققته تلك الدول رغم ما يملكه من إمكانات تفوق الكثير منها؟
فالسودان يمتلك أراضي زراعية شاسعة، وثروات معدنية متنوعة، وموارد مائية كبيرة، وموقعاً استراتيجياً يربط بين إفريقيا والعالم العربي. ومع ذلك ظل الاقتصاد الوطني أسيراً لدورات متكررة من الأزمات السياسية والصراعات المسلحة وعدم الاستقرار، مما أدى إلى تآكل المؤسسات وتعطيل الإنتاج وهجرة العقول والكفاءات.
لقد كشفت الحرب الحالية بصورة أكثر وضوحاً أن التنمية والأمن والاستقرار السياسي حلقات مترابطة لا يمكن فصل بعضها عن بعض، فكلما ضعفت مؤسسات الدولة تراجعت قدرة الاقتصاد على النمو، وكلما تراجع الاقتصاد ازدادت التحديات الاجتماعية والأمنية،
ومع ذلك فإن تجارب ألمانيا ورواندا وماليزيا تؤكد أن النهوض ليس مستحيلاً.
فالدول لا تُقاس بحجم أزماتها وإنما بقدرتها على تجاوزها والسودان اليوم يمتلك فرصة تاريخية لإعادة بناء دولته واقتصاده على أسس جديدة تقوم على سيادة القانون، وقوة المؤسسات، والاستثمار في التعليم والإنتاج، وتقديم المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الجميع: هل يتعلم السودان من تجارب الأمم والشعوب التي حولت الحروب والأزمات إلى منصات للانطلاق، أم يظل أسير دائرة الصراع التي تستهلك موارده وتبدد فرصه عاماً بعد عام؟

فتكم بعااافية…نواصل@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى