عضو اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء السودان وعضو غرفة طوارئ 15 أبريل، د. أديبة إبراهيم السيد
لـ”كوشي” نيوز
أوبئة مدمرة تهدد السودان: 379 ألف حالة كوليرا في النيل الأبيض
البيئة الملوثة ونقص الأدوية يعجّلان بتفشي الأمراض في معسكرات النزوح
فيضانات جزيرة أبا: 7,500 نازح و153 إصابة بالكوليرا وسط تلوث المياه
المجاعة وسوء التغذية تفاقمان الوضع الصحي في السودان
فتح ممرات آمنة لإيصال الإغاثة الطبية: نداء عاجل لإنقاذ الأرواح
التعجيل بالمساعدات الإنسانية: ضرورة عاجلة لتفادي الكارثة الصحية في السودان
في وقتٍ يواجه فيه السودان أسوأ أزماته الصحية والإنسانية، أصبح الحديث عن الوضع الصحي بمثابة صرخة ألم تتردد في كل زاوية من زوايا الوطن. الأوبئة تفترس أجساد المواطنين، والفيضانات تغرق القرى في محيط من الجوع والأمراض، بينما تزداد معاناة الشعب السوداني مع كل يوم يمر في غياب الرعاية الطبية الأساسية وتدهور الأوضاع البيئية. الكارثة الصحية التي يشهدها السودان اليوم تهدد حياة الملايين، في ظل تفشي الأمراض والدمار المستمر بسبب القصف الجوي والتوترات العسكرية. في هذا السياق المأساوي، أجرى موقع “كوشي نيوز” حواراً مع د. أديبة إبراهيم السيد، عضو اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء السودانيين وعضو غرفة طوارئ 15 أبريل، التي تواصل كفاحها في خط المواجهة، لتسليط الضوء على ما يعانيه الشعب السوداني في ظل هذه الأزمات التي لا تنتهي.
حاورتها: فدوى خزرجي
بدايةً، كيف ترين الوضع الصحي في السودان في ظل الأزمات الحالية؟
في ظل الحرب المدمرة التي تعيشها البلاد، يشهد الوضع الصحي تدهوراً كبيراً، مع انتشار واسع للأوبئة والأمراض، مثل الملاريا والتيفوئيد والكوليرا. وقد تم تسجيل 576 حالة في ولاية النيل الأبيض و650 حالة في ولايات غرب وشمال دارفور. كما يعاني أكثر من 165 ألف شخص في معسكرات النزوح في جميع الولايات من حالات مرضية متعددة. في النيل الأبيض وحدها، بلغ عدد حالات الكوليرا أكثر من 379 ألف حالة، فيما سجل مركز العزل في مستشفى جزيرة أبا 346 حالة، في ظل نقص حاد في الأدوية والمضادات الحيوية، بما في ذلك “الدربات” (الأدوية المسكنة) و”الفلاجين”. كما تعاني البلاد من انعدام تام للأدوية المنقذة للحياة، بالإضافة إلى نقص حاد في الكوادر الطبية وتدهور الخدمات الصحية بشكل عام. كما يعاني العديد من المرضى من قلة الفحوصات الطبية وشح المعدات التقنية.
ما هي الأسباب الرئيسية وراء انتشار هذه الأوبئة؟
السبب الرئيسي هو تدهور الوضع البيئي نتيجة لتراكم الأوساخ وتلوث المياه، مما يساهم بشكل كبير في انتشار الأمراض. بالإضافة إلى ذلك، فإن مراكز ومعسكرات النزوح تعاني من نقص حاد في الأدوية المنقذة للحياة مثل المضادات الحيوية المسكنات المحاليل الوردية (الدربات) ، وهناك قلة في الكوادر الطبية المتخصصة. هذه العوامل جعلت الأوبئة تنتشر بشكل أسرع. فضلاً عن الانتشار الواسع للمجاعة وسوء التغذية وضعف المناعة، مما يزيد من تفشي الأوبئة، في وقتٍ تفتقر فيه البلاد إلى ممرات آمنة لتوصيل المساعدات الإنسانية، مما أسفر عن العديد من الوفيات، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الأمراض المزمنة والإعاقات. كما أن هناك نقصاً حاداً في المبيدات الحشرية والفرق التي تقوم بأعمال الرش والنظافة، مما يؤدي إلى تراكم الأوساخ والجثث في الشوارع، لا سيما في الخرطوم وضواحيها وولايات دارفور. ومن هنا، أناشد المنظمات الإنسانية المحلية والدولية والجهات المعنية ببذل جهد أكبر وفعال لفتح ممرات آمنة ومحمية لنقل المصابين، خاصة الأطفال والنساء المرضعات والحوامل وأصحاب الأمراض المزمنة وذوي الإعاقة، إلى أماكن آمنة وقريبة من المستشفيات لتلقي العلاج الضروري.
كيف يؤثر هذا الوضع على المستشفيات في البلاد؟
يشهد القطاع الصحي في السودان ضغوطاً كبيرة بسبب الازدحام الشديد في المستشفيات نتيجة توافد الحالات المصابة من مختلف المناطق. هذا الوضع يفاقم من معاناة النظام الصحي في ظل نقص الإمكانيات والرعاية في المعسكرات ودور الإيواء. كما يساهم تفشي المجاعة وسوء التغذية في زيادة تعقيد الوضع، مما يؤدي إلى ضعف المناعة ويضاعف من حالات الوفاة بين الأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
ما الذي تحتاجه البلاد في هذه الظروف الصعبة؟
في هذه الظروف الصعبة، تحتاج البلاد بشكل عاجل إلى فتح ممرات آمنة لتوصيل الإغاثة الطبية والإنسانية، لضمان نقل المصابين، وخاصة الأطفال والنساء المرضعات، إلى أماكن آمنة قريبة من المستشفيات. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي على المنظمات الإنسانية والدولية مضاعفة جهودها لتلبية احتياجات المواطنين، والعمل على توفير الدعم الضروري لهم في ظل هذه الأوقات الحرجة.
كيف أثرت الفيضانات الأخيرة على الوضع الصحي في جزيرة أبا؟
تسببت الفيضانات الأخيرة في جزيرة أبا في تأثيرات صحية خطيرة على السكان، حيث أدت إلى نزوح نحو 7,500 شخص من المناطق المتضررة وهدم حوالي 3,000 منزل. تراكم المياه وتلوث مصادر الشرب أسهما في انتشار الأمراض المائية، خاصة الإسهالات التي تثير القلق من تفشي مرض الكوليرا. تم تسجيل نحو 153 حالة إصابة حتى الآن، ومن المتوقع أن تستمر الأعداد في الارتفاع. في ظل هذا الوضع، أصبح التدخل الصحي العاجل ضرورياً، مما دفع إلى إنشاء مركز عزل في مستشفى جزيرة أبا للتعامل مع الطوارئ الصحية.
هل هناك مناطق أخرى تأثرت بشكل كبير بالفيضانات؟
نعم، الفيضانات لم تقتصر على جزيرة أبا فقط، بل امتدت تأثيراتها لتشمل مناطق أخرى من قرى النيل الأبيض، حيث غمرت المياه العديد من تلك المناطق. هذا الوضع أدى إلى تفشي الأمراض والأوبئة نتيجة تكاثر الحشرات مثل البعوض والذباب. وفي ظل هذه الظروف الصعبة، تواصل جهود الإغاثة العمل على مواجهة النقص الحاد في الإيواء والغذاء والدواء، بالإضافة إلى استمرار المحاولات لتوفير الرعاية الصحية الأساسية للسكان المتضررين.
هناك أيضاً مسيرات تابعة للدعم السريع وقصف جوي في عدة مناطق، كيف أثر ذلك على الوضع؟
تسبب القصف الجوي الذي شنته القوات المسلحة في مدن عدة مثل الفاشر وكبكابية ونيالا، فضلاً عن القصف المستمر في مناطق أخرى مثل الكومة وأم روابة، في مقتل العشرات من المدنيين، بينهم نساء وأطفال، وإصابة المئات. كما أسفر الهجوم عن تدمير واسع للمناطق السكنية والمرافق الأساسية، مما زاد من تفاقم الوضع الصحي في المناطق المتضررة. وفي الفاشر، تسببت الهجمات العسكرية لطائرات الدعم السريع في مقتل 30 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، بالإضافة إلى إصابة 43 آخرين. وفي كبكابية، أدى قصف الطيران إلى مقتل 115 شخصًا وإصابة 50 آخرين. كما استهدفت الطائرات مدينة نيالا، مما أسفر عن مقتل 45 شخصًا وإصابة 13 آخرين.
إن تزايد أعداد الضحايا من القتلى والجرحى الذين تعرضوا لإصابات شديدة، يستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً. ومع تدمير العديد من المنشآت الصحية في المناطق المتأثرة، أصبح من الصعب توفير الرعاية الطبية اللازمة للضحايا. كما يزداد الضغط على النظام الصحي في هذه المناطق، خاصة مع نقص الإمكانيات الطبية في المناطق النائية التي تأثرت بشدة. إضافة إلى ذلك، أدى القصف إلى تدمير البنية التحتية الأساسية مثل شبكات المياه والصرف الصحي، مما يزيد من خطر تفشي الأمراض المعدية مثل الكوليرا والإسهالات المائية. ويشكل النزوح الجماعي للسكان إلى مناطق أكثر أمانًا، بسبب نقص الغذاء والمياه، تهديدًا إضافيًا على صحتهم.
وفي ضوء هذه المعطيات، فإن الوضع الصحي في المناطق المتأثرة يستدعي تعزيز الاستجابة الطبية بشكل عاجل، مع توفير المزيد من الدعم الإنساني لتلبية احتياجات السكان المتضررين، وكذلك العمل على إعادة بناء المنشآت الصحية والبنية التحتية الأساسية للحفاظ على حياة المواطنين وصحتهم.
ما الذي يجب أن يحدث لتجاوز هذه الأزمة؟
نحن بحاجة إلى تكثيف المساعدات الإنسانية العاجلة وتوفير الدعم المالي واللوجستي لإصلاح البنية التحتية المتضررة. من الأهمية بمكان أن يتم تحسين قدرة المستشفيات والمرافق الصحية على التعامل مع هذه الحالات. بالإضافة إلى ذلك، يجب العمل على تطوير خطط طوارئ شاملة لمواجهة الكوارث الطبيعية في المستقبل.
أخيرًا، ماذا تقولين عن ضرورة إنهاء الحرب؟
الحرب هي السبب الرئيسي في كل هذه المعاناة. يجب أن تتوقف الحرب فوراً، ويجب على القوى السياسية والحركات الثورية التوحد لإيقاف النزاع والتوصل إلى سلام مستدام. نحن بحاجة إلى إعادة بناء وطننا الذي ضاع رمزه وأرضه وتشتت أهله. لن نتمكن من بناء وطننا إلا إذا انتهت هذه الحرب.

