أعمدة الرأي

إقتصاد الناس* بقلم:د.عبدالله عجلون يكتب

 

*الخطة الخمسية (2026–2030م) : بين طموح إعادة الإعمار وإختبار التنفيذ*

في لحظة مفصلية من تاريخ الدولة السودانية، تأتي ورشة إعداد منظومات الخطة الإستراتيجية الخمسية (2026–2030م) التي نظمتها الأمانة العامة لمجلس الوزراء، كإشارة واضحة إلى تحول في عقل الدولة من إدارة الأزمات إلى هندسة المستقبل. فالتخطيط الإستراتيجي لم يعد ترفاً مؤسسياً، بل ضرورة وجودية في ظل واقع إقتصادي مثقل بتداعيات الحرب وتحديات إعادة الإعمار.
ان حديث الأمين العام لمجلس الوزراء/ علي محمد علي، قد وضع الإطار السياسي والمعنوي للخطة من خلال الربط بين “معركة الكرامة” ومعركة إعادة الإعمار وهي معادلة تعكس فهماً عميقاً بأن الإستقرار الأمني لا يكتمل إلا بأستقرار إقتصادي وأجتماعي، غير أن هذا الربط رغم أهميته، يطرح سؤالاً عملياً: هل تمتلك مؤسسات الدولة الأدوات والموارد الكافية لتحويل هذا الخطاب إلى نتائج ملموسة؟
الملامح التي قدمها البروفيسور/ محمد حسين أبو صالح تعكس طموحاً واسعاً، حيث تركز الخطة على إعادة الإعمار الشامل، وتحقيق السلام المستدام، وإعادة توزيع المشاريع التنموية جغرافياً، بما يحد من التفاوت التنموي المزمن، كما تبرز نقطة التحول نحو المشاريع الإنتاجية كمصدر للإيرادات، وهو اتجاه سليم نظرياً خاصة في ظل محدودية الموارد التقليدية وإعتماد الإقتصاد سابقاً على مصادر ريعية غير مستقرة.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في “ماذا نخطط”، بل في “كيف ننفذ”. فالتجارب السابقة في العديد من الدول بل في السودان أظهرت أن الخطط الإستراتيجية غالباً ما تتعثر بسبب ضعف التنسيق المؤسسي، وغياب نظم المتابعة والتقييم، فضلاً عن محدودية الكفاءة الإدارية، وهنا تبرز أهمية ما تم طرحه حول التحول الرقمي والحكم الراشد، إذ يشكلان العمود الفقري لأي إصلاح حقيقي في الجهاز التنفيذي.
التحول الرقمي إذا طُبق بجدية يمكن أن يقلل من الفساد، ويرفع كفاءة الإنفاق العام، ويُحسن تقديم الخدمات، أما الحكم الراشد، فهو الضامن لعدالة توزيع الموارد وشفافية اتخاذ القرار، غير أن إدخال هذه المفاهيم في الخطط لا يكفي ما لم تُترجم إلى تشريعات ملزمة وآليات رقابة فعالة.
من زاوية إقتصادية فإن التركيز على قطاعات الزراعة، والإنتاج الحيواني، والتعدين يعكس وعياً بميزة البلاد النسبية، لكن هذه القطاعات نفسها تحتاج إلى بنية تحتية قوية وتمويل مستدام، وسياسات تسويقية ذكية، وإلا ستظل تدور في حلقة الإنتاج التقليدي منخفض القيمة.
كما أن الحديث عن توفير فرص عمل للشباب يظل رهيناً بمدى قدرة المشاريع المقترحة على خلق سلاسل قيمة حقيقية، وليس مجرد وظائف مؤقتة(البطالة المقنعة)، فالتحدي ليس في خلق وظائف فقط بل في خلق وظائف منتجة ومستدامة ترفع من مستوى الدخل وتدعم الإستقرار الإجتماعي.
ان ورشة تستمر لمدة يومين قد تضع الأسس النظرية لكنها لن تكون كافية ما لم تتبعها إرادة سياسية صارمة، ومؤسسات قادرة على التنفيذ، ونظام محاسبة لا يستثني أحداً، فالتخطيط بلا تنفيذ مجرد وثائق، والتنفيذ بلا متابعة مجرد إنفاق بلا أثر.
في الختام تبقى الخطة الخمسية إختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على الإنتقال من مرحلة الشعارات إلى مرحلة الإنجاز … فهل ستكون هذه الخطة بداية لإقتصاد منتج ومستقر، أم أنها ستنضم إلى أرشيف الخطط التي كُتبت جيداً ولم تُنفذ؟

فتكم بعااافية… نواصل@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى