أعمدة الرأي

إقتصاد الناس   بقلم:د.عبدالله عجلون

 

 

الهجرة أم البقاء..ماذا يختار الشباب؟

 

تعرف الهجرة الخارجية بأنها إنتقال الأفراد من بلدهم الأصلي إلى دولة أخرى بشكل مؤقت أو دائم بهدف العمل أو الدراسة أو تحسين الظروف المعيشية أو طلب الأمان، وتعد من الظواهر الإقتصادية والإجتماعية المهمة التي تؤثر في سوق العمل والتنمية في الدول المصدرة والمستقبلة للهجرة، في السودان ارتبطت الهجرة الخارجية تاريخياً بطلب التعليم أو الفرص الإقتصادية، لكنها في السنوات الأخيرة أصبحت أكثر اتساعاً بسبب الأزمات الإقتصادية، وإرتفاع البطالة، وتدهور الأوضاع المعيشية، ثم تفاقمت بشكل كبير بعد اندلاع حرب 15 أبريل 2023م، مما جعلها خياراً شائعاً بين الشباب والكفاءات بحثاً عن الإستقرار وفرص أفضل.

إذ لم تُعد الهجرة في السودان مجرد قرار شخصي مرتبط بتحسين الدخل أو استكمال الدراسة، بل تحولت إلى مؤشر إقتصادي خطير يكشف عمق الأزمة التي يعيشها الشباب، فمع إستمرار الحرب منذ 15 أبريل 2023م، والذي ادي الي ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع فرص العمل، أصبح كثير من الشباب يرون في المطارات والمعابر الحدودية طريقاً أقصر نحو الأمان الإقتصادي والإجتماعي، بينما ينظر آخرون إلى البقاء باعتباره مخاطرة يومية في وطن تتراجع فيه الفرص وتتزايد فيه التحديات الجسام.

قبل الحرب كان الشباب يعانون أصلاً من ضعف سوق العمل، وغياب التخطيط الإقتصادي الذي يستوعب آلاف الخريجين سنوياً، الجامعات تخرّج أعداداً كبيرة في تخصصات لا تتوافق مع إحتياجات السوق، بينما القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة والتقنية تعاني من نقص في التدريب والإستثمار، وبعد الحرب ازدادت الأزمة تعقيداً بإغلاق مؤسسات، وتدمير منشآت، وتعطل قطاعات واسعة في الخرطوم وعدد من الولايات.

هذا الواقع خلق موجة هجرة واسعة نحو مصر ودول الخليج وأفريقيا وأوروبا، بعض الشباب غادر بعقود عمل نظامية، وآخرون اتجهوا إلى الهجرة غير النظامية، بما تحمله من مخاطر إنسانية وإقتصادية، الأخطر أن السودان بدأ يفقد كوادره المؤهلة من أطباء ومهندسين وأساتذة جامعات وتقنيين، وهو ما قد يخلق فجوة كبيرة في مرحلة إعادة الإعمار المستقبلية.

لكن يبقي السؤال الأهم ليس لماذا يهاجر الشباب؟ بل كيف نجعل البقاء خياراً ممكناً؟

أول الحلول العملية: يتمثل في إطلاق برنامج وطني عاجل لتشغيل الشباب عبر مشروعات إعادة الإعمار، بحيث يتم توظيف آلاف الشباب في مجالات البناء، الطاقة، الطرق، والخدمات اللوجستية، إعادة بناء ما دمرته الحرب يمكن أن تكون فرصة إقتصادية ضخمة إذا أُحسن إستغلالها.

ثانياً: يجب دعم المشروعات الصغيرة وريادة الأعمال عبر تمويل مصرفي ميسر، وإعفاءات ضريبية مؤقتة، وإنشاء حاضنات أعمال في الولايات بدلاً من تركيز الفرص في الخرطوم وحدها.

ثالثاً: إعادة هيكلة التعليم وربطه بسوق العمل عبر التوسع في التدريب المهني والتقني، خاصة في مجالات الزراعة الحديثة، التعدين المنظم، البرمجة، والخدمات الرقمية.

رابعاً: تشجيع السودانيين في المهجر على الإستثمار ونقل الخبرات بدل أن تتحول الهجرة إلى نزيف دائم للعقول. ويمكن للحكومة إنشاء صناديق إستثمار خاصة بالمغتربين.

خامساً: لا يمكن لأي حلول إقتصادية أن تنجح دون إستقرار سياسي وأمني، لأن رأس المال والشباب معاً يبحثان دائماً عن بيئة آمنة وواضحة الملامح.

ان الهجرة الخارجية قد تمنح الفرد فرصة جديدة، لكنها إذا تحولت إلى ظاهرة جماعية فإنها تصبح إنذاراً بفشل البيئة الإقتصادية المحلية. والسودان اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن يصنع وطناً جاذباً لشبابه، أو يواصل تصدير طاقاته إلى الخارج، ويبقى السؤال الذي يدور في الأذهان: هل تتحرك الدولة قبل أن يصبح الرحيل هو الحلم الوحيد لجيل كامل؟

 

فتكم بعااافية…نواصل@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى