أعمدة الرأي

إقتصاد الناس بقلم د.عبدالله عجلون

السودانيون وقيادة العالم: لماذا نتأخر عن قمة الهرم المؤسسي؟

في كل بقاع العالم يلفت السودانيون الأنظار بذكائهم المهني وقدرتهم العالية على التكيف والعمل تحت الضغط، فتجد الطبيب السوداني مميزاً، والمهندس بارعاً، والأكاديمي محترماً، والخبير التقني محل ثقة داخل المؤسسات الدولية و الإقليمية، لكن رغم هذا الحضور النوعي يظل السؤال الاقتصادي والإداري مطروحاً بإلحاح: لماذا يندر وجود السودانيين في قمة الشركات العالمية الكبرى أو على رأس المؤسسات الاقتصادية العابرة للقارات (الشركات متعددة الجنسيات) ؟
إن المشكلة في حقيقتها ليست ضعفاً في الكفاءة وإنما فجوة في فهم “قواعد اللعبة” الحديثة داخل الاقتصاد الرأسمالي العالمي، فالعالم اليوم لا يُدار فقط بالعلم والخبرة، بل بالشبكات المهنية، والقدرة على بناء النفوذ، والمهارات القيادية، والجرأة في اتخاذ القرار، والقدرة على تسويق الذات دون الوقوع في الغرور.
فالعقل السوداني التقليدي تربى على قيم عظيمة مثل التواضع والأمانة، الزهد واحترام الآخر، النزاهة، وهي قيم صنعت سمعة ممتازة للسودانيين في الخارج، غير أن بعض هذه القيم تحولت – في بيئة المنافسة العالمية – إلى عوائق غير مقصودة، فالكثير من السودانيين يفضلون “العمل بصمت”، بينما تكافئ المؤسسات العالمية من يُظهر إنجازاته، ويصنع حضوره، ويبني علاقاته المهنية بذكاء.
كما أن الثقافة السودانية ظلت لفترة طويلة تميل إلى الوظيفة الآمنة (Job security) أكثر من المغامرة الاستثمارية وريادة الأعمال، ولذلك برع السوداني كخبير وموظف تنفيذي لكنه تأخر نسبياً في الانتقال إلى موقع “المؤسس” أو “صانع القرار”، بينما نرى جنسيات أخرى استطاعت تحويل المعرفة التقنية إلى شركات عملاقة وثروات اقتصادية ونفوذ عالمي.
لكن المشهد بدأ يتغير بصورة واضحة فهناك جيل جديد من “السودانيين العالميين” نشأ في بيئات غربية أو منفتحة يتحدث لغة الاقتصاد الرقمي، ويفهم عقلية المؤسسات الدولية، ويتعامل بثقة أكبر مع أدوات القيادة الحديثة، هذا الجيل لم يعد يحمل عقدة “المهاجر الباحث عن فرصة”، بل عقلية “الشريك القادر على المنافسة”.
وفي المقابل بدأت ثقافة الشركات الناشئة (Startups) تدخل المزاج السوداني تدريجياً، خاصة وسط الشباب العاملين في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية، وهذه النقلة مهمة جداً، لأنها تنقل الإنسان من عقلية “تنفيذ المهام” إلى عقلية “صناعة الرؤية وقيادة السوق”.
غير أن هذا التحول يحتاج إلى بيئة داعمة، تبدأ من إصلاح التعليم وربطه بالاقتصاد العالمي، وتشجيع الابتكار، وتأسيس صناديق تمويل للمشروعات الناشئة، وربط الكفاءات السودانية بالخارج عبر شبكات اقتصادية واستثمارية حقيقية، لا مجرد لقاءات اجتماعية عابرة.
في الختام إن السودان يمتلك ثروة بشرية هائلة، وربما تكون أكبر من موارده الطبيعية نفسها، فالمادة الخام موجودة: الذكاء، الصبر، المرونة، والاجتهاد، المواظبة، لكن هذه القدرات تحتاج إلى إعادة هيكلة فكرية وإدارية حتى تتحول إلى نفوذ اقتصادي عالمي،
فهل ينجح الجيل السوداني الجديد في كسر القالب التقليدي، والانتقال من خانة “الكفاءة المنفذة” إلى موقع “القيادة العالمية وصناعة القرار الاقتصادي”؟ أم أننا سنظل ننتج العقول اللامعة التي تبني نجاح الآخرين أكثر مما تبني مشروعها السوداني الخاص؟

فتكم بعااافية…نواصل@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى