أعمدة الرأي

إقتصاد الناس. :د.عبدالله عجلون بكتب القطاع الزراعي … قاطرة الاقتصاد السوداني بين الإمكانات المعطلة وفرص التعافي.

استهل هذا المقال عبر قراءة تحليلية لهيكل الإقتصاد السوداني من منظور الإقتصاد الكلي والتنمية الهيكلية، مع التركيز على دور القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي، والتشغيل، والصادرات. وتعتمد المنهجية على الربط بين الموارد المتاحة، وسلاسل القيمة، وأثر السياسات العامة على الإنتاجية والإستقرار الإقتصادي، إنطلاقاً من فرضية رئيسية مفادها أن أي تعافٍ إقتصادي مستدام في السودان لا يمكن أن يتحقق دون نهضة زراعية شاملة.
علماً بأن الزراعة تمثل الميزة النسبية الأبرز للسودان، بحكم اتساع الأراضي الصالحة للزراعة، وتنوع المناخ، وتوفر الموارد المائية. ومع ذلك، ظل القطاع الزراعي يتأرجح بين الإمكانات الكبيرة والأداء المتواضع، نتيجة تحديات هيكلية في التمويل، والبنية التحتية، والسياسات التسويقية.
من الناحية الإقتصادية، يشكل القطاع الزراعي ركيزة أساسية للتشغيل، إذ يستوعب نسبة كبيرة من القوة العاملة، خاصة في المناطق الريفية. وهذا يجعله أداة فعالة لمكافحة الفقر وتقليل الهجرة الداخلية نحو المدن، كما أن مساهمته في الصادرات—عبر محاصيل نقدية مثل القطن، والسمسم، والفول السوداني و حب البطيخ والصمغ العربي—تمنحه دوراً محورياً في توفير النقد الأجنبي، وهو عنصر حاسم لإستقرار سعر الصرف وتمويل الواردات الإستراتيجية.
غير أن المشكلة لا تكمن في نقص الموارد، بل في ضعف الإنتاجية، فمتوسط إنتاجية الفدان في العديد من المحاصيل لا يزال أقل من الإمكانات المتاحة بسبب محدودية إستخدام التقانات الحديثة، وضعف خدمات الإرشاد الزراعي، وإرتفاع تكاليف المدخلات، كما أن غياب سلاسل قيمة متكاملة يؤدي إلى تصدير المواد الخام دون تصنيع، ما يحرم الإقتصاد من القيمة المضافة وفرص العمل المرتبطة بها.
إن النظر إلى الزراعة بوصفها “قطاعاً تقليدياً” يمثل خطأ إستراتيجيا للدولة فالزراعة الحديثة أصبحت صناعة قائمة على التكنولوجيا والبحث العلمي وإدارة المخاطر، الإستثمار في الري المحوري، والبذور المحسنة، والتأمين الزراعي، والتمويل الميسر، يمكن أن يحدث نقلة نوعية في الإنتاج والإنتاجية. كما أن ربط الزراعة بالصناعات التحويلية—كالزيوت، والنسيج، وتعليب الأغذية—يعزز التكامل بين القطاعات ويضاعف العائد الإقتصادي.
في سياق إعادة بناء الإقتصاد السوداني، تبدو الزراعة الخيار الأكثر واقعية لقيادة التعافي، فهي أقل اعتماداً على التكنولوجيا المستوردة مقارنة بالصناعة الثقيلة، وأكثر قدرة على تحقيق عائد سريع نسبياً إذا توفرت سياسات مستقرة وتمويل منظم، كما أنها قادرة على دعم الأمن الغذائي وتقليل فاتورة الاستيراد.
إن تحويل القطاع الزراعي إلى قاطرة حقيقية للإقتصاد يتطلب رؤية استراتيجية طويلة المدى، ترتكز على إستقرار السياسات، وتحفيز الاستثمار الخاص، وتطوير البنية التحتية للنقل والتخزين، وتعزيز البحث العلمي الزراعي، عندها فقط يمكن للزراعة أن تنتقل من دورها التقليدي إلى موقع القيادة في مسار التنمية المستدامة، وأن تتحول الإمكانات المعطلة إلى قوة دافعة نحو إقتصاد أكثر إستقراراً وتنوعاً.
فتكم بعااااافية.. نواصل@
28/2/2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى