أعمدة الرأي

إقتصاد الناس

:د. عبدالله عجلون يكتب

*بين قوي السوق وسيطرة الدولة: هل ينهض الإقتصاد الإسلامي كطريق ثالث؟*

في عالمٍ تتسارع فيه الأزمات الإقتصادية وتتعمّق فيه الفجوات الإجتماعية، لم يعد النقاش حول النماذج الإقتصادية ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية فالنظام الإقتصادي الرأسمالي، رغم قدرته الهائلة على توليد الثروة بات يُتَّهم بتكريس عدم المساواة، بينما فقد النظام الإقتصادي الاشتراكي بريقه بعد تجارب تاريخية انتهت إلى الجمود أو شبه الإنهيار.
في هذا السياق يطرح البعض الإقتصاد الإسلامي كـ”طريق ثالث” يجمع بين الكفاءة الإقتصادية والعدالة الإجتماعية،
فهل يملك هذا الطرح مقومات التحول من فكرة نظرية إلى نموذج عملي قابل للتطبيق؟
الرأسمالية كما تجسدت في تجارب مثل الولايات المتحدة أظهرت قدرة إستثنائية على الإبتكار وتحفيز الإنتاج، لكنها في الوقت ذاته أفرزت إختلالات واضحة، أبرزها تركز الثروة في يد فئة محدودة، وقد كشفت الأزمة المالية العالمية في العام 2008م هشاشة النظام المالي القائم على المضاربات والديون المركبة.
وعلى الجانب الآخر، فإن الإشتراكية التي طبّقت في الإتحاد السوفيتي سابقاً انتهت إلى تفكك إقتصادي وسياسي، نتيجة ضعف الحوافز وغياب الكفاءة الإنتاجية.
في مقابل هذا الإستقطاب يبرز الإقتصاد الإسلامي كنموذج يحاول تحقيق التوازن بين حرية السوق وضوابط العدالة الإجتماعية، فهو لا يرفض الملكية الفردية كما في الإشتراكية، ولا يترك السوق بلا قيود كما في الرأسمالية، بل يقوم على مبادئ مثل تحريم الربا، وتقاسم المخاطر، وتعزيز التكافل الإجتماعي من خلال الزكاة والوقف والهبات، والصدقات.
من الناحية العملية، لم يعد الإقتصاد الإسلامي مجرد تنظير أكاديمي بل أصبح واقعاً في بعض القطاعات، فالصيرفة الإسلامية التي انتشرت في دول مثل ماليزيا والإمارات العربية المتحدة والسودان بل حتي في بعض الدول الأوربية، تقدم نماذج تمويل قائمة على المرابحة، والمضاربة،و المشاركة، والسلم، بدلاً من سعر الفائدة.
وقد أظهرت هذه المؤسسات قدرة نسبية على الصمود خلال الأزمات المالية العنيفة، حيث كانت أقل تعرضاً للأدوات المالية عالية المخاطر.
كما أن مفهوم الزكاة، إذا ما أُحسن تنظيمه، يمكن أن يكون أداة فعالة لإعادة توزيع الدخل، ففي بعض الدول، مثل السودان تم إنشاء مؤسسات رسمية للزكاة تسهم في دعم الفئات الهشة، وإن كان أداؤها لا يزال دون الطموح بسبب تحديات الإدارة والشفافية.
لكن رغم هذه الإيجابيات يواجه الإقتصاد الإسلامي عدة إشكالات تعيق تحوله إلى “نظام عالمي بديل”. أول هذه التحديات هو غياب نموذج موحد للتطبيق حيث تختلف الإجتهادات بين الدول والمؤسسات. كما أن بعض الممارسات المصرفية الإسلامية تتعرض لإنتقادات بأنها لا تختلف كثيراً عن النظم التقليدية، سوى في الشكل او الجوهر.
إضافة إلى ذلك فإن الإقتصاد الإسلامي لا يعمل في فراغ بل ضمن نظام إقتصادي عالمي تهيمن عليه مؤسسات رأسمالية كبرى، مما يحدّ من قدرته على الاستقلال أو التوسع دون التكيف مع قواعد اللعبة الدولية.
كما أن نجاحه يتطلب بيئة مؤسسية قوية، تشمل الشفافية، وسيادة حكم القانون، وهو ما تفتقر إليه العديد من الدول التي تتبناه نظرياً.
مع ذلك فإن القيمة الحقيقية للإقتصاد الإسلامي قد لا تكمن في كونه بديلاً كاملاً، بل في كونه مصدراً لإصلاح الأنظمة القائمة، فمبادئ مثل تقاسم المخاطر، والتمويل المرتبط بالإنتاج الحقيقي، والعدالة في توزيع الثروة، يمكن أن تسهم في إعادة توجيه الإقتصاد العالمي نحو مزيد من التوازن والأستدامة.
في الختام لا يبدو أن الإقتصاد الإسلامي سيحلّ محل الرأسمالية أو الأشتراكية في المدى القريب، لكنه يقدّم إطاراً فكرياً وأخلاقياً يمكن أن يعيد صياغة العلاقة بين السوق والمجتمع، فهل نملك الإرادة السياسية والمؤسسية لتحويل هذا الإطار إلى واقع عملي؟ أم سيظل مجرد “طريق ثالث” نظري في عالمٍ تحكمه مصالح القوى الكبرى ذات الإقتصاديات الضخمة؟

*فتكم بعااافية…نواصل@*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى