أعمدة الرأي

اقتصاد الناس بقلم د.عبدالله عجلون

الفساد في السودان: بين تآكل مؤسسات الدولة وتداعيات الحرب

يُعرف الفساد بأنه هو إساءة استخدام السلطة أو النفوذ لتحقيق مصالح شخصية على حساب المصلحة العامة، وهو لا يقتصر على سرقة الأموال فقط، بل يشمل المحسوبية والمحاباة واستغلال المنصب والتلاعب بالقوانين وإهدار حقوق الناس، وغالباً لا يبدأ الفساد كجريمة كبيرة بل كتجاوز صغير يجد له صاحبه ألف مبرر، ثم يتحول مع مرور الوقت إلى سلوك معتاد وثقافة تهدد الدولة والمجتمع، وحين يغيب الضمير وتضعف الرقابة، تتآكل المؤسسات بصمت ويصبح المال العام غنيمة، فتفقد الشعوب ثقتها في العدالة وتدخل الأوطان في دوائر الفقر والصراع والانهيار.
في السودان لم يعد الفساد مجرد تجاوزات مالية معزولة أو مخالفات إدارية محدودة بل أصبح بنية متكاملة أثّرت على الاقتصاد و السياسة والمجتمع، حتى صار جزءاً من المشهد اليومي الذي اعتاد عليه الناس رغم خطورته، والأخطر من ذلك أن الفساد لم يعد يُنظر إليه كجريمة تهدد الدولة بل كوسيلة “طبيعية” للوصول إلى النفوذ والثروة، في بيئة ضعفت فيها المحاسبة وغابت فيها الدولة والمؤسسية، ولقد نشأ هذا الواقع نتيجة تداخل السلطة بالمال حيث تحولت الوظيفة العامة من تكليف لخدمة المجتمع إلى فرصة لتحقيق المصالح الخاصة، فأصبحت الموارد الاقتصادية تُدار وفق الولاءات السياسية والعلاقات الشخصية، لا وفق الكفاءة أو العدالة أو المصلحة العامة، ومع مرور الوقت تمدد هذا النهج داخل أجهزة الدولة حتى أصاب الجهاز البيروقراطي بالشلل، وأفقد المؤسسات قدرتها على الرقابة والشفافية.
فالفساد في جوهره لا يبدأ بسرقة كبرى بل يبدأ بخطوة صغيرة يجد لها الإنسان مبرراً أخلاقياً أو نفسياً يقول لنفسه: “الجميع يفعل ذلك”، أو “أنا أستحق”، أو “لن يتضرر أحد”، ثم تتوسع دائرة التبرير حتى يتحول المال العام إلى شيء بلا حرمة في الوعي الداخلي، فهنا تحدث أخطر مراحل الانهيار؛ حين ينفصل الضمير عن الفعل، ويصبح النفوذ مبرراً لكل شيء.
لكن المشكلة لا تتعلق بالفرد وحده، بل بالبيئة التي تسمح للفساد بالنمو، فعندما تغيب الرقابة العليا، وتُسيّس العدالة، وتتحول القوانين إلى أدوات لحماية الأقوياء، يشعر المسؤول بأنه فوق المحاسبة، في تلك اللحظة لا يعود موظفاً عاماً بل مالكاً للقرار والثروة معاً.
وهنا تتحول الدولة تدريجياً إلى شبكة مصالح متصارعة لا إلى مؤسسة تحكمها القوانين.
ورغم أن كثيراً من الفاسدين يرفعون شعارات دينية ويتحدثون عن الأخلاق إلا أن الأزمة الحقيقية تكمن في الفصل بين التدين والسلوك، فالدين ليس طقوساً تُمارس في العلن من صلاة و حمل مسبحة بين الأصابع بل منظومة قيم تضبط علاقة الإنسان بالمال والسلطة و عموم الناس، وعندما يضعف الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية، يصبح المنصب باباً للثراء لا وسيلة لخدمة المجتمع.
إن الحرب التي يعيشها السودان اليوم ليست بعيدة عن هذا السياق، فالفساد أضعف مؤسسات الدولة وأفقدها هيبتها، وخلق مراكز قوى متنافسة داخلها، ومع تضارب المصالح وتآكل الثقة تحولت الدولة نفسها إلى ساحة صراع مفتوح، فالحرب لا تنشأ فقط من الخلافات السياسية بل أيضاً من اقتصاد فاسد يغذي الانقسامات ويحوّل النفوذ إلى معركة بقاء،
فمكافحة الفساد لا تتحقق عبر الشعارات أو اللجان المؤقتة او إنشاء الأجسام الشكلية، بل ببناء دولة سيادة قانون حقيقية، تُحترم فيها المؤسسات، وتُفعل فيها الرقابة بكل صرامة، ويُحاسب فيها الجميع دون استثناء نعم دول استثناء، كما أن المعركة ضد الفساد تبدأ من التربية والقيم والوعي المجتمعي، قبل أن يتصل إلى المحاكم والقوانين.
فالدول لا تسقط فجأة، بل تنهار ببطء حين يصبح الفساد أمراً عادياً وحين تُنهب الموارد باسم النفوذ، وحين يصمت المجتمع على التجاوزات الصغيرة حتى يجد نفسه أمام وطنٍ تُنهكه الحرب ويأكله الفساد من الداخل.

فتكم بعااافية…نواصل@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى