أعمدة الرأي

كلمات سحر علي تكتب…

عيد يعيدنا إلى بيوتنا

بينما تتصاعد تكبيرات عيد الأضحى المبارك في سماء السودان هذا العام، فإنها تحمل نبرة مختلفة انها ليست مجرد ابتهاج بالعيد وشعائره بل هي ترنيمة فرح أعمق: فرح العودة إلى البيوت التي هُجرت والأحياء التي أوشكت على النسيان والوطن الذي ظل حلما يتردد في ليالي النزوح الطويلة.
بعد أكثر من ثلاث اعوام من الحرب المدمرة التي مزقت النسيج الاجتماعي والجغرافي للسودان، ها هي بشائر السلام تلوح في الأفق، وها هي أسر تعود اليوم إلى منازلها في الخرطوم وأم درمان وبحري، و تحمل فوق رؤوسها أمتعة النزوح وفي قلوبها جراح الفراق ولكن في عيونها بريق الأمل.
عيد الأضحى هذا العام ليس مجرد مناسبة دينية تذبح فيها الأضاحي ونتبادل التهاني، بل هو عيد “العودة” بامتياز إنه العيد الذي يعيد تعريف معنى “الأضحى” ذاتها فالأضحية ليست مجرد قربان من بهيمة الأنعام بل هي رمز للبذل والعطاء وأعظم بذل اليوم هو بذل الجهد لإعادة بناء ما دمرته الحرب وبذل المحبة لإصلاح ما أفسده الكراهية
في مشاهد مؤثرة شاهدنا عائلات تعود إلى منازلها المدمرة تجلس على أنقاضها باكية ضاحكة في آن واحد بكاء على ذكريات اندثرت، وضحك لأنها عادت أخيرًا إلى ترابها وحجارتها. هناك من وجد بيته محترقًا، وهناك من لم يجد بيته أصلًالكنهم جميعا أصرّوا على العودة لأن الوطن ليس مجرد جدران بل هو هوية وذاكرة وحلم لا يمكن لمدفع أو رصاصة أن يلغيه.
السودانيون في هذا العيد يعيدون اكتشاف قيمة الأشياء البسيطة: كوب ماء من بئر الحي وقهوة الصباح مع الجيران وضحكات الأطفال في الزقاق، وصلاة العيد في المسجد القديم. تلك التفاصيل التي كنا نعتبرها عادية أصبحت اليوم كنزًا ثمينًا.
لكن العودة إلى المنازل ليست نهاية المطاف، بل هي بداية طريق طويل وشاق. فالمدن بحاجة إلى إزالة الأنقاض وإعادة الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء ومستشفيات ومدارس. الأسر بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي لتجاوز صدمة الحرب. والأهم، السودان بحاجة إلى سلام حقيقي ومستدام يمنع تكرار هذه المأساة.
في يوم عرفة وقف السودانيون على جبل عرفات الروحي من بعيد متوجهين إلى الله بالدعاء أن يكون هذا العيد فاتحة خير لمرحلة جديدة. أليس من الجميل أن يكون العيد الذي نردد فيه “الله أكبر” هو بداية لإعادة بناء دولة أكبر من أحزانها؟ دولة يتسع فيها الجميع ويتحقق فيها العدل والأمن والكرامة لكل مواطن.
إلى كل أسرة عادت إلى منزلها هذا العيد بيتكم يفتقدكم، وحارتكم تشتاق إليكم، ووطنكم الذي نزف من أجل أحلامكم يستعد لاحتضانكم عيدكم مبارك وعودتكم ميمونة وليكن هذا العيد فاتحة خير وسلام لوطن يئن من تحت الأنقاض لكنه لا يموت.
والله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيراوسبحان الله بكرة وأصيلا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى