اقتصاد الناس د.عبدالله عجلون يكتب

من قلب الريف إلى مصافي النهضة…هل يقود الإقتصاد المعرفي ثورة الإنتاج في السودان؟
يمتلك الريف السوداني ثروة طبيعية وبشرية هائلة تجعله أحد أهم ركائز التنمية الإقتصادية في البلاد، حيث تمتد فيه أراضٍ زراعية خصبة على مساحات واسعة، مدعومة بتنوع مناخي ومصادر مياه متعددة تشمل الأنهار والأمطار والمياه الجوفية، إلى جانب ثروة حيوانية كبيرة ومراعي طبيعية غنية، كما يزخر الريف بموارد معدنية متنوعة وإمكانات سمكية واعدة، فضلاً عن قوى بشرية ذات خبرات متراكمة في مجالات الإنتاج الزراعي و الحرفي، هذه المقومات تمنح الريف قدرة حقيقية على أن يكون قاعدة للإنتاج والتنمية، إذا ما أُحسن إستغلالها ضمن رؤية حديثة تقوم على المعرفة والتقنية والاستدامة.
علما بأن السودان يمتلك ثروة كامنة قلّ أن تجتمع في بلد واحد؛ أراضٍ زراعية شاسعة، موارد مائية متعددة، مناخ متنوع، ثروة حيوانية ضخمة، ومخزون معتبر من المعادن، فضلاً عن مورد بشري متعلم ومؤهل في مختلف التخصصات.
هذه المزايا النسبية تجعل من الريف السوداني نقطة إنطلاق حقيقية لأي مشروع نهضوي جاد، خاصة إذا ما تم توظيفها ضمن رؤية حديثة تقوم على الإقتصاد المعرفي والتحول الرقمي.
الفكرة لم تعد مجرد إستغلال موارد طبيعية بالطريقة التقليدية، بل إعادة تعريف الإنتاج نفسه، بحيث يصبح قائماً على المعرفة، الابتكار، والتكامل بين التخصصات، حين يجتمع الطبيب مع المهندس الزراعي، وخبير الإقتصاد مع المبرمج، والجيولوجي مع الإداري، في منظومة إنتاجية مرنة لا تقوم على التسلسل الإداري الجامد بل على الشراكة المهنية، فإننا نكون أمام نموذج جديد يتجاوز مفهوم “الوظيفة” إلى فضاء “الإنتاج الجماعي الذكي”.
في هذا السياق يمكن للريف أن يتحول من بيئة طاردة إلى مركز جذب إقتصادي، عبر إنشاء وحدات إنتاج متكاملة تبدأ من الزراعة بشقيها النباتي والحيواني، ثم تنتقل إلى التصنيع الزراعي بمراحله المختلفة، فبدلاً من تصدير المنتجات الخام يتم تحويلها محلياً إلى منتجات ذات قيمة مضافة، ما يعزز العائد الإقتصادي ويخلق فرص عمل واسعة.
لكن التحول الحقيقي يتطلب أكثر من مجرد موارد؛ يتطلب بنية معرفية وتقنية داعمة، وهنا تبرز أهمية التحول الرقمي في ربط المنتجين بالأسواق، وتسهيل العمليات المالية، وتحسين الكفاءة الإنتاجية. يمكن إستخدام تطبيقات ذكية لإدارة المزارع، تتبع الإنتاج، تحليل البيانات المناخية، وحتى التسويق الإلكتروني للمنتجات، كما يمكن توظيف تقنيات حديثة في مجالات الري، التخزين، والنقل لتقليل الفاقد وزيادة الإنتاجية.
الحديث عن “العمل بدون رئيس ومرؤوس” ليس طرحاً مثالياً بقدر ما هو دعوة لإعادة هيكلة بيئة العمل نحو نماذج تشاركية، مثل التعاونيات الذكية أو الشركات المجتمعية، حيث يكون لكل فرد دور محدد وفق تخصصه، ويُقاس الأداء بالإنتاج لا بالموقع الوظيفي، هذا النموذج يعزز روح المسؤولية الجماعية ويحد من البيروقراطية التي كثيراً ما تعيق المبادرات الإنتاجية.
ومن الناحية الإقتصادية، فإن توجيه الإنتاج نحو تحقيق الإكتفاء الذاتي أولاً، ثم التصدير، يمثل إستراتيجية متوازنة، فالإكتفاء الذاتي يخفف الضغط على العملة الأجنبية، بينما يساهم التصدير – خاصة للمنتجات المصنعة – في جلب العملات الصعبة، مما يدعم إستقرار العملة الوطنية ويحد من معدلات التضخم.
غير أن تحقيق هذا التحول يتطلب خطة إستراتيجية واضحة، تتدرج من الريف إلى المدن الريفية، ثم إلى المدن الكبرى، في إطار تنمية متوازنة لا تركز الثروة في مركز واحد، هذه الخطة يجب أن تتضمن مصفوفة تنفيذية دقيقة، تحدد الأدوار، الموارد، الجداول الزمنية، ومؤشرات الأداء.
كما لا بد من توفير بيئة تشريعية وتنظيمية محفزة، تسهّل تأسيس المشاريع، تحمي المستثمرين، وتضمن العدالة في توزيع الفرص. إضافة إلى ذلك، يجب الإستثمار في التعليم والتدريب المهني، لضمان جاهزية المورد البشري لمتطلبات الإقتصاد الحديث.
التحدي الأكبر لا يكمن في نقص الموارد، بل في كيفية إدارتها. فكم من دولة فقيرة بالموارد حققت نهضة إقتصادية بفضل حسن الإدارة، وكم من دولة غنية ظلت تعاني بسبب سوء التخطيط.
السودان اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء إقتصاده من القاعدة، لا من القمة؛ من الريف لا من المركز، من الإنتاج لا من الإستهلاك، ومن المعرفة لا من التقليد، فهل نمتلك الإرادة لتحويل هذه الرؤية إلى واقع عملي، أم ستظل الموارد حبيسة الإمكانات غير المستغلة؟
*فتكم بعااافية…نواصل@* َ


