ضوء القمر

عبد العليم مخاوي … يكتب
عبد اللطيف الهادي… حين يرحل المعلم بصمت
ليس من السهل الكتابة عن الراحلين الذين كانوا جزءاً من تكوينك المهني والإنساني، فالكلمات كثيراً ما تخون الذاكرة، وتعجز عن الإحاطة بقامة مثل الأستاذ عبد اللطيف الهادي.
عرفته أستاذاً وأخاً أكبر، وواحداً من أوائل الذين أمسكوا بأيدينا في بدايات الطريق الصحفي داخل صحيفة المشاهد الرياضية. وكما قيل: لكل امرئ من اسمه نصيب، فقد كان استاذي عبد اللطيف لطيفاً في حضوره، هادئاً في طبعه، صادقاً في كلمته، ناصحاً دون ادعاء، وقريباً من الجميع دون تكلف.
رحل أستاذي عبد اللطيف كما عاش… بهدوء، دون ضجيج.. صارع المرض سنوات طويلة بصبر نادر، وغسل كُلاه قبل اندلاع هذه الحرب اللعينة، وتعايش مع الألم بصمت الكبار، دون شكوى أو تذمر، في مشهد إنساني يثير الإعجاب ويكسر القلب في آنٍ واحد.
في صحيفة المشاهد، لم يكن الأستاذ عبد اللطيف مجرد صحفي أو مشرف، كان إنساناً قبل كل شيء.. أذكر أول مهمة صحفية لي تحت إشرافه في المؤتمر الصحفي لمدرب الهلال الأسبق البرازيلي هيرون ريكاردو بفندق السلام روتانا.. يومها فاجأني حين كتب اسمي فقط على المادة الصحفية، وتجاهل اسمه، وعندما اعترضت قائلاً: العين لا تعلو على الحاجب، رد بابتسامته الهادئة:
«أنت في بداية الطريق… وهذه دفعة معنوية»..كانت تلك العبارة زاداً مهنياً لا يُقدّر بثمن.
حتى وهو طريح الفراش، لم يتخلَّ عن دوره التنويري، فكان حاضراً متى ما طلبته الساحة الإعلامية، مشاركاً في البرامج الإذاعية وتحديداً عبر برنامج المجال الرياضي بالإذاعة الطبية 99,3، وناصحاً للأجيال الجديدة بذات الروح النبيلة.
ومن أنبل ما ميّز أستاذي عبد اللطيف الهادي وفاؤه العميق للفن وأهله.. فقد ظل، في السابع عشر من يناير من كل عام، يخصص ملفاً متكاملاً في صحيفة المشاهد لإحياء ذكرى الفنان الراحل مصطفى سيد أحمد، لا كمناسبة عابرة، بل كطقس ثقافي سنوي يعيد الاعتبار للذاكرة، ويؤكد أن المبدعين لا يموتون.
بهذا الحس الرفيع، كان استاذي عبد اللطيف حارساً للذاكرة الثقافية، ومؤمناً بأن الصحافة ليست خبراً فقط، بل موقف، ووفاء، ورسالة.
يرحل أمثاله، لكنهم يتركون الضوء مشتعلاً خلفهم… واستاذي عبد اللطيف الهادي واحد من هؤلاء، بلا أدنى شك.
نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.. تعازينا الحارة لزوجته وأولاده محمد وايحاء ورفيقة دربه الأستاذة سارة الصادق الجعلي وكل الأهل بالقوز والشجرة والحماداب والكلاكلات وكل زملائه وزميلاته وتلاميذه وأسرة صحيفة المشاهد الرياضية ولكل جمهور نادي الهلال.


