البعد_الآخر

مصعب بريــر… يكتب
السودان ومصر في خندق مكافحة بعوضة الجامبيا ..!
من واقع خبرة طويلة في مكافحة نواقل الأمراض، يظل ملف بعوضة “الأنوفيليس جامبيا” – أخطر ناقل للملاريا في وادي النيل – واحد من أوضح النماذج التي تُظهر كيف يمكن للصحة أن تكون جسر تعاون حقيقي بين الدول، لا سيما بين السودان ومصر. هذا التعاون لم يكن وليد اللحظة، بل يمتد لعقود، وتحديدًا منذ توقيع بروتوكول مشترك في سبعينيات القرن الماضي، ظل يمثل الإطار الفني لمكافحة هذه البعوضة عبر الحدود.
الفكرة الأساسية كانت بسيطة لكنها عميقة: البعوض لا يعرف الحدود السياسية، وبالتالي لا يمكن لدولة واحدة أن تنجح وحدها. من هنا نشأت لجان مشتركة وفرق ميدانية تعمل في الشريط الحدودي، خاصة في مناطق شمال السودان وجنوب مصر، حيث بيئة توالد البعوض المرتبطة بمياه النيل والمصارف. هذه الفرق لم تكن شكلية، بل ضمت أطباء وضباط صحة بيئية وفنيين من الجانبين، يعملون في المسح الوبائي، رش المبيدات، وعلاج الحالات في الميدان.
مع مرور السنوات، تطور التعاون ليشمل دعمًا ماليًا ولوجستيًا مباشرًا. فقد قدمت مصر منحًا مالية ومستلزمات طبية ومبيدات، إضافة إلى دعم الأبحاث والتجارب العلمية المرتبطة بمكافحة الملاريا هذه الجهود ساهمت في تقليل مخاطر انتقال البعوض شمالًا، وفي نفس الوقت دعمت قدرات السودان في السيطرة على المرض.
وفي مراحل لاحقة، خاصة خلال العقدين الأخيرين، دخل عنصر التدريب وبناء القدرات بقوة. حيث تم تنظيم برامج تدريبية مشتركة، وتبادل خبرات في مجالات الترصد الوبائي وإدارة مقاومة المبيدات، إلى جانب إرسال قوافل طبية مصرية للعمل داخل السودان في فترات الذروة.
ومؤخرًا، عاد الحديث بقوة عن إعادة تفعيل هذا التعاون بشكل مؤسسي، عبر تحديث البروتوكولات القديمة وربطها بالواقع الحالي، خاصة في ظل التحديات الصحية التي يواجهها السودان. الهدف الآن لم يعد فقط مكافحة البعوض، بل بناء نظام استجابة مشترك للأوبئة ونواقل الأمراض.
النتائج على الأرض كانت ملموسة في فترات الاستقرار؛ حيث ساهمت التدخلات المتكاملة مثل الرش الداخلي بالمبيد ذو الأثر المتبقى وتوزيع الناموسيات وتحسين الترصد في خفض معدلات الإصابة والوفيات بالملاريا بشكل كبير خلال سنوات معينة. لكن هذه النجاحات ظلت مرتبطة باستمرارية الدعم والاستقرار الميداني.
ورغم هذا التاريخ الطويل، فإن التحدي الحقيقي اليوم هو الانتقال من التعاون الموسمي إلى شراكة مستدامة. المطلوب عمليًا هو إنشاء غرفة عمليات مشتركة دائمة على الحدود، وتوحيد قواعد البيانات الوبائية، والتوسع في استخدام التقنيات الحديثة مثل نظم المعلومات الجغرافية لتتبع بؤر التوالد. كما أن الاستثمار في تدريب الكوادر المحلية داخل السودان يجب أن يكون أولوية، بدل الاعتماد على الحملات المؤقتة.
كذلك، لا بد من إشراك المجتمعات المحلية بوعي بسيط وواضح، لأن مكافحة البعوض تبدأ من داخل المنزل والحي، وليس فقط عبر الحملات الحكومية. وأخيرًا، فإن تأمين التمويل المستقر للمشروعات المشتركة سيحدد ما إذا كان هذا التعاون سيستمر كقصة نجاح، أم يعود خطوة للوراء.
بعد اخير :
خلاصة القول، أن تجربة مصر والسودان في مكافحة بعوضة الجامبيا تثبت أن الصحة يمكن أن توحد الجغرافيا، لكن استدامة النجاح تحتاج إرادة سياسية ثابتة، وعمل ميداني لا يتوقف.
وأخيرًا، المستقبل هنا ممكن… لكنه يعتمد على ما نفعله الآن، لا ما أنجزناه بالأمس.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | مصعب بريــر
السبت | 27 مارس 2026م
musapbrear@gmail.com
