أعمدة الرأي

البعد_الآخر


مصعب بريــر… يكتب
المشافي مقابر.. الإعدام الصامت لمرضى السودان ..!

ثلاث سنوات مرت على اندلاع الحرب اللعينة، لتدفع المنظومة الصحية في السودان الفاتورة الأقسى، وتتحول المستشفيات التي كانت تضمد الجراح إلى ركام يشهد على حجم المأساة اليومية. لم يعد الأمر مجرد أزمة عابرة أو نقص في الأسرة، بل هو انهيار شامل كلف البلاد خسائر قُدرت بنحو 11 مليار دولار، مع خروج أكثر من 75% من المستشفيات عن الخدمة تماماً أو عملها بطاقة شبه معدومة. هذه الأرقام المفزعة تعني، ببساطة وواقعية، أن ملايين السودانيين في المدن والأرياف تُركوا بلا ملاذ آمن يخفف أوجاعهم أو ينقذ أرواحهم وقت الشدة.
لم تتوقف آلة الدمار عند قصف المباني وتهشيم جدران العنابر، بل امتدت لتشمل نهباً وتخريباً ممنهجاً جرد المرافق الصحية من أجهزتها الطبية المتقدمة ومخزون بنوك الدم والأدوية المنقذة للحياة. حتى سيارات الإسعاف، التي تمثل شريان النجاة الأخير للمصابين والنساء الحوامل، لم تسلم من الاستهداف القاسي؛ فإما نُهبت لتستخدم في أغراض عسكرية لا علاقة لها بالطب، أو دُمرت بالكامل لتقطع الطريق أمام أي محاولة للإنقاذ السريع. هذا الخراب المبرمج ترك ولايات بأكملها تواجه شبح الموت وتفشي الأوبئة كالكوليرا وحمى الضنك بأيادٍ عارية، وتاركة المواطن البسيط يصارع المرض وحيداً.
وسط هذا الركام الموحش، دفع الأطباء ، ضباط الصحة والكوادر الصحية والممرضون الثمن الأغلى من أرواحهم وراحتهم. فقد وجد “ملائكة الرحمة” أنفسهم في قلب النيران المشتعلة، حيث تعرض المئات منهم للقتل المباشر، والاعتقال، والخطف، والإخفاء القسري، بل وإجبار بعضهم على العمل تحت تهديد السلاح. هذه الانتهاكات المروعة، إلى جانب القصف المستمر الذي طال مستشفيات ومرافق صحية عديدة خلال الحرب، أجبرت آلاف الكوادر الطبية والمختصين على الهجرة والنزوح بحثاً عن ملاذ آمن. هجرة العقول والأيدي الماهرة تركت قلة قليلة من الأبطال يقاتلون وحيدين، وبموارد شبه معدومة، في معركة يومية قاسية ضد الموت.
بعد اخير :
خلاصة القول، إن انهيار القطاع الصحي السوداني في هذه السنوات الثلاث ليس مجرد أثر جانبي للحرب يُمكن تجاوزه سريعاً، بل هو كارثة إنسانية أعمق ستلقي بظلالها الكئيبة على أجيال قادمة. فكل مستشفى يُدمر، وكل جهاز يُنهب، وكل طبيب يُشرد أو يُقتل، يعني ببساطة حكماً بالإعدام الصامت على مئات المرضى الذين تفتك بهم العلل بعيداً عن دوي المدافع وتغطية الكاميرات.
وأخيرًا، اليوم، ونحن نقف أمام أنقاض مؤسساتنا الطبية بعد كل هذا الألم المستمر، تبرز الحاجة الملحة ليس فقط لإسكات صوت البنادق، بل لإطلاق نداء عاجل وحملة جادة لإعادة إعمار ما خربته أيدي الصراع. فبدون حماية من تبقى من كوادرنا الطبية الصامدة، وتوفير شريان الحياة الفعلي لمشافينا، سيستمر نزيف إنسان السودان طويلاً جداً، حتى وإن توقفت المعارك على الأرض.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاربعاء | 15 أبريل 2026م
musapbrear@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى