أعمدة الرأي

السادس من أبريل: ذاكرة الميلاد وتأملات الحياة وفضاءات الآمال

 

 

​”نحيا ولا تدري الحياةْ،

نحيا ولا نشكو، ونجهلُ ما البكاءْ،

ما الموت، ما الميلاد، ما معنى السماء”

الشاعرة: نازك الملائكة

 

​سعد محمد عبدالله يكتب …

 

​يحلّ السادس من أبريل كل عام محمّلاً بدلالات خاصة، جذورها في أعماق وجداني، إذ يقترن بتاريخ ميلادي عام 1988م بمدينة جوبا، تلك المدينة التي شكّلت بدايات الوعي الأول بالحياة والإنتماء؛ فهناك كُتبت أولى ملامح هويتي حين حرّر شهادة ميلادي السيد جورج سيلفانو بين عدد من أبناء جيلي، وهو شخصية ذات سيرة طيبة في ذاكرة الجنوب والشمال، وأكنّ له إمتنانًا عميقًا لكونه منحني أول وثيقة تثبت وجودي في هذا العالم، ولكن لم تدم الإقامة طويلاً؛ فقد غادرت طفلاً صغيرًا مع أسرتي تحت وطأة إشتداد المعارك بين الحكومة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان، لتبدأ قصة رحلة طويلة من الترحال حتى الإستقرار بولاية سنار، وبعد سنوات، عدت إلى جوبا في سياق مختلف، ضمن وفد الحركة الشعبية-شمال في مفاوضات السلام، وكأنني أعود إلى نقطة البدء، ولكن بوعي وتجربة مختلفين، وسأظل أذكر الرحلة التي أقلعت فيها من مطار القاهرة إلى الخرطوم، ومنها إلى مدينة جوبا بغية أداء فرائض السلام لوجه الوطن؛ فيا لها من رحلة حياة مثيرة، حملتُ فيها كل ذكرياتي ومشيتُ بها عبر أثير الزمن.

 

​شكّلت السنوات التي تلت تلك البدايات في حياتي مسارًا معقّدًا من التجارب السياسية والإجتماعية في مناخات مختلفة، حيث عشت الحروب طفلاً وشابًا، ورأيت آثارها في تفاصيل الحياة اليومية للناس في هذا العصر، ومع مرور الزمن، تولّد داخلي شعور عميق بالإنهاك من إستمرار النزاعات والترحال بلا توقف، وهذا من حال أسلافنا الأولين الذين رحلوا وقاتلوا في غابات وصحارى إفريقيا؛ غير أن الإيمان بضرورة السلام والإستقرار ظلّ فكرًا راسخًا كرسوخ الجبال الرواسي في ربوع بلادنا، وأدرك جيدًا أن هذا الطريق ليس سهلاً في السودان، بل محفوف بالتضحيات، ولا يمكن التراجع عنه مهما بلغت خسائر طول الرحيل؛ لذا يجب علينا الإستمرار في النضال من أجل نهاية نكتبها بوعينا وحبنا للحياة والوطن، ويظل شهر أبريل شاهدًا حاضرًا على كثير من التحولات، ليس فقط في حياتي الشخصية، بل في تاريخ السودان أيضًا، فقد إرتبط بالثورات والتغييرات الكبرى، وفي هذا اليوم تحديدًا، أقف بهدوء متأملاً محطات حياتي، ومستحضرًا فقدان والديّ اللذيِن كانا إلى جانبي، ومستعيدًا ذكرى أولئك الذين ناضلوا ورحلوا إلى الأبد، تاركين أثرًا لا يمكن أن يُمحى في الذاكرة ما دمت أسعى حيًا.

 

​في كل عام، أجد نفسي مثل طائر حائر، أحلّق بعيدًا ثم أعود إلى ذات الطقس الشخصي المعهود؛ أدوّن آمالي وأحلامي على الورق، وأحتفظ بها كأسرار بيني وبين نفسي، وأطبعها بين لجج بحور خيالي، فترسخ في ذاكرة مثقلة بصور الحروب وأحزان الأمكنة ووجوه الراحلين التي لم تغب لحظة عني، وهذا العام جديدُ في العدد، قديمُ في المعنى، ولا يختلف كثيرًا في تفاصيله عن سابقيه، سوى أن الأمل الذي كان بداخلي يزداد وضوحًا وإصرارًا رغم صدمات الحياة وخيبات التمنّي في العالم الهائج الذي لا يعرف للهدوء طريقًا، ولكنني أؤمن بقدرتي، إلى جانب أبناء وبنات وطني، على توحيد جهودنا من أجل الإسهام في كفاح تحرير الوطن من شبح الإستعمار الجديد، وتهيئة مناخ ملائم لإجراء حوار سوداني موضوعي حول بناء دولة تقوم على قواعد السلام والحرية والمواطنة المتساوية والتنمية العادلة في الريف والمدينة؛ كما أعاهد نفسي الآن على العمل الجاد من أجل تغيير مسار حياتي نحو الأفضل، والسير بثبات مع رفاق الكفاح الوطني إلى واقع أكثر إستقرارًا وإزدهارًا، يليق بتضحيات وأشواق شعبنا وتاريخه الطويل في السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى