القتلى ليسوا فقط في ساحة المعركة: كيف تدمر الحرب في السودان حياة المرضى والأطباء؟”
بورتسودان كوشى نيوز
تحقيق : فدوى خزرجي
*الناطق الرسمي لمبادرة سد الحوجة – شباب كادقلي: يؤجل المرضى شراء الأدوية لأيام بسبب ضيق الحال
*غرفة طوارئ ١٥ أبريل بولاية الجزيرة : يواجه الأطباء تحديات ضخمة لتقديم الرعاية الصحية لمصابين في حالة حرجة.
*عضو اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء السودان : الأطباء في السودان يعيشون مأساة حقيقية، حيث يتعرضون لانتهاكات جسيمة من طرفي النزاع أثناء تأدية واجبهم الإنساني
*رئيس اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء السودان : ضحايا انهيار النظام الصحي في البلاد تجاوزوا كل التوقعات
في قلب السودان، حيث تعصف الأزمات الأمنية والسياسية بمختلف مناحي الحياة، تتفاقم الكارثة الصحية بشكل يومي. المستشفيات، الصيدليات، والعيادات، سواء كانت حكومية أو خاصة، أصبحت هدفًا للهجمات العشوائية التي دمرت معداتها، ودفعت بالكثير منها إلى الخروج عن الخدمة. المرافق الطبية في العديد من المناطق، خصوصًا الخرطوم، دارفور، والجزيرة، شهدت تدميرًا شبه كامل، ما أدى إلى معاناة غير مسبوقة في تقديم الخدمات الصحية. وبينما يهرب الأطباء من واقع الحرب أو يبحثون عن أمان في أماكن أخرى، يعجز المواطنون عن الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية، في وقت تتزايد فيه الإصابات الناجمة عن الصراع. من جهة أخرى، يواجه القطاع الصحي تدهورًا بيئيًا، وزيادة في انتشار الأوبئة، بسبب الاكتظاظ في مراكز الإيواء، والنقص الحاد في الأدوية المنقذة للحياة. ورغم الجهود الإنسانية لمساعدة المتضررين، تبقى العقبات الأمنية ونقص الممرات الآمنة حاجزًا أمام وصول المساعدات. غياب الدولة عن معالجة هذه الكارثة الصحية المدمرة يشكل نكسة مؤلمة، ويزيد من معاناة الشعب السوداني الذي بات يواجه معركة مزدوجة، حربًا على الأرض وأخرى على صحته وحياته.
انهيار النظام الصحي :
في ظل الهجوم الأخير الذي شنته قوات الدعم السريع على منطقة هبيلا وقرى التيتل والظلنطاية وجبل الداير وقرى محيطة بها، شهدت مدينة كادقلي والدلنج نزوحًاً حاداً لحوالي مليون نسمة، مما فاقم من الوضع الصحي الذي كان أصلاً يعاني من انهيار النظام الصحي وغياب الرعاية الأساسية.
وفي هذا السياق، أكد الناطق الرسمي لمبادرة سد الحوجة – شباب كادقلي، المحامي حيدر ككي، أن المنطقة التي كانت تواجه تحديات صحية كبيرة، أصبحت الآن على شفا كارثة صحية. وأوضح أن المستشفيات الموجودة في المنطقة، مثل مستشفى كادقلي التعليمي، مستشفى الأطفال، مستشفى الشرطة، وبعض المراكز الأخرى، تعاني من نقص في الخدمات الأساسية، حيث تفتقر إلى خدمات التأمين الصحي التي تقدمها المؤسسات الصحية الأخرى في البلاد. في الوقت نفسه، يتم فرض رسوم كاملة على مقابلات الأطباء والفحوصات المخبرية، بينما توفر بعض المراكز خدمات الأدوية المجانية بشكل محدود.
وأكد ككي أن جزءًا كبيراً من المرضى لا يستطيعون تحمل تكاليف العلاج، مشيرًا إلى أن بعضهم يضطر للرجوع إلى المنازل دون تلقي العلاج بسبب عدم القدرة على دفع رسوم مقابلات الأطباء والفحوصات. وهناك من يؤجل شراء الأدوية لأيام بسبب ضيق الحال.
وتابع: “الوضع الصحي في كادقلي أصبح كارثيًا”، مضيفاً أن مركز غسيل الكلى تم إغلاقه بسبب نفاد المحاليل اللازمة، مما اضطر السلطات إلى ترحيل المرضى إلى ولاية شمال كردفان في ظروف مأساوية، حتى فقدت إحدى المرضى حياتها أثناء الرحلة.
وفي ختام حديثه، ناشد ككي المنظمات الإنسانية الدولية والإقليمية والمحلية، وكذلك أبناء المنطقة في الخارج، بالتحرك العاجل لتقديم المساعدات الإنسانية الضرورية وفتح المسارات الآمنة لتخفيف معاناة السكان وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح المواطنين الذين يعيشون في ظروف قاسية تتفاقم يومًا بعد يوم.
تداعيات خطيرة:
لم يختلف المشهد في ولاية الجزيرة عن سابقتها ولاية جنوب كردفان، حيث تواصل الكارثة الصحية التي تهدد حياة الآلاف من المواطنين في ظل الوضع المأساوي الذي يزداد سوءًا يوماً بعد يوم. غرفة طوارئ 15 أبريل بولاية الجزيرة وصفت الوضع بالمأساوي، محذرة من تداعيات خطيرة تنذر بمأساة إنسانية. ففي تصريح خاص، أكدت الغرفة أن العديد من المستشفيات في الولاية أغلقت أبوابها نتيجة الاشتباكات المباشرة التي استهدفت المنشآت الصحية، مما فاقم الوضع بشكل أكبر. هذا بالإضافة إلى النقص الحاد في الكوادر الطبية والمستلزمات الأساسية.
وأكدت الغرفة أن الوضع الصحي في الولاية قد وصل إلى مستويات كارثية، حيث يعاني المرضى من انعدام الأدوية والمستلزمات الطبية الحيوية، مما يزيد من معاناتهم ويعرض حياتهم لمخاطر صحية جسيمة. وتزامناً مع هذه الأزمة، تتسارع معدلات الوفيات بوتيرة غير مسبوقة، في حين يعاني العديد من المواطنين من الإسهالات المائية، في حين يُشتبه في إصابتهم بوباء الكوليرا. ومع ذلك، لا تتوفر لهم أي رعاية طبية، الأمر الذي يضاعف من خطورة الوضع.
ومن جانب آخر، أكدت غرفة الطوارئ أن الأطباء والممارسين الصحيين في الولاية يتعرضون لانتهاكات جسيمة، حيث تم تسجيل حالات قتل واغتصاب ضد الكوادر الطبية في مختلف مناطق الولاية. تلك الانتهاكات المروعة تأتي في وقت حساس، حيث يواجه الأطباء تحديات ضخمة لتقديم الرعاية الصحية لمصابين في حالة حرجة. هذه الانتهاكات لم تترك فقط آثارًا سلبية على معنويات الكوادر الطبية، بل تهدد استمرارية تقديم الخدمات الصحية بشكل كامل.
وفي حادثة صادمة أخرى، أفادت المصادر باختطاف طبيب وممرضتين من مستشفى رفاعة تحت تهديد السلاح أمام أعين الجميع، مما يزيد من تعقيد الموقف ويزيد من الضغوط على القطاع الصحي الذي يعاني من تدهور مريع.
إن الوقت ليس في صالح ولاية الجزيرة، ولا بد من التحرك الفوري من جميع الجهات المعنية لإنقاذ الأرواح. غرفة طوارئ 15 أبريل ناشدت بتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية بشكل عاجل، وضمان حماية الأطباء والممارسين الصحيين من أي اعتداءات، بالإضافة إلى إعادة فتح المستشفيات التي أغلقت بسبب الاشتباكات، لضمان تقديم خدمات الرعاية الصحية للمواطنين الذين هم في أمس الحاجة إليها، إن هذه الكارثة تتطلب تحركًا عاجلًا من الحكومة والمنظمات الإنسانية المحلية والدولية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح المواطنين، وتقديم الدعم الفوري للقطاع الصحي الذي أصبح في خطر كبير.
مأساة متفاقمة :
لا يخفى على أحد أن الوضع الصحي في السودان منذ اندلاع الحرب هو حديث مليء بالألم، حيث أصبحت المستشفيات والمراكز الصحية شاهدة على انهيار كامل للقطاع الصحي في ظل النزاع المستمر. وضمن هذا المشهد المأساوي، أكد عضو اللجنة التنظيمية لغرف طوارئ 15 أبريل في السودان، عبد المنعم القاش، أن الحرب قد سرعت من انهيار النظام الصحي الذي كان أساسًا يعاني من الضعف الشديد. وأشار إلى أن النظام الصحي الحالي يعمل بنسبة لا تتجاوز 10% من طاقته قبل الحرب، رغم أنه كان قبل اندلاع النزاع لا يغطي حتى ثلث السكان.
وأوضح أن النظام الصحي في السودان كان هشاً منذ البداية، حيث كان يقتصر على تقديم خدماته لنحو 15-20% من السكان، مع نقص شديد في خدمات الرعاية الأساسية والطوارئ. وقد كان يعاني من نقص حاد في إمدادات الأدوية والمستلزمات الطبية، مما أسهم في تدهور المؤشرات الصحية بشكل مستمر. وأضاف أن الفجوة في الرعاية الصحية كانت واضحة بين المدن والأرياف، وبين الأغنياء والفقراء، حيث أن نقص الاستثمار في تحسين النظام الصحي فاقم الوضع. قبل اندلاع الحرب، كانت أكثر من 10 ملايين طفل دون سن الخامسة مهددين بالموت بسبب عدم توفر الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، ما أسفر عن وفاة نحو 100 ألف طفل سنويًا بسبب أمراض يمكن الوقاية منها مثل الملاريا والجفاف.
وتوقع القاش أن هذه الأرقام قد تتضاعف بأكثر من خمس مرات منذ بداية الحرب، حيث خرج أكثر من 80% من طاقة القطاع الصحي عن الخدمة، ليبقى المواطنون الأبرياء يدفعون ثمن هذا النزاع المتواصل. وأكد أن الأوضاع الحالية تثبت أن الحرب تقتل أضعافًا مضاعفة من المواطنين مقارنة بمن يموتون من أطراف النزاع. وفي ختام حديثه، دعا القاش جميع السودانيين إلى التحرك بكل الوسائل المتاحة لوقف الحرب فورًا، وبدء عملية سلام حقيقية تضع في أولوياتها محاربة الأوبئة المتفشية وتوفير الخدمات الصحية اللازمة لإنقاذ حياة المواطنين. هذه الكارثة الصحية تقتضي تكاتف الجميع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، والوقوف إلى جانب أرواح الأطفال والمرضى الذين يعانون في ظل هذه الظروف القاسية.
خطر يهدد حياة السودانيين
قال النقابي السابق د. الفاتح عمر بحزن بالغ إن معمل استاك، المقر الرئيسي للبرنامج الطوعي للتبرع بالدم في السودان، والمركز القومي لمكافحة الإيدز، أصبح اليوم في خطر يهدد حياة الجميع. المعمل الذي كان يمثل مرجعية طبية حيوية يضم العديد من الأقسام الحيوية مثل معمل الفيروسات، معمل البكتيريا، معمل الطفيليات، معمل الأنسجة المريضة، معمل المناعة، ومعمل الدرن، وغيرها من المرافق التي تشكل حجر الزاوية في مكافحة الأمراض.
وأضاف د. الفاتح أن المعمل يحتوي على عينات فيروسية خطيرة لأمراض سريعة الانتقال مثل الحصبة، الكوليرا، والدرن، بالإضافة إلى عينات محورة من فيروس كورونا المستجد، وكلها تمثل تهديدًا حقيقياً إذا انتشرت. كما يضم المعمل مجموعة نادرة من عينات الفيروسات والمكروبات التي تم جمعها لأغراض البحث، ويعد واحدًا من مراكز الأبحاث الفريدة عالمياً في دراسة الأمراض الاستوائية.
لكن المؤلم، بحسب د. الفاتح، أن معمل استاك أصبح الآن تحت سيطرة قوات الدعم السريع التي احتلته، مما يثير قلقاً بالغاً حول انتقال هذه الفيروسات القاتلة بين المدنيين. وأضاف أن هذا الوضع يهدد بعودة الأمراض الاستوائية الشرسة التي كانت قد تم الحد منها، في وقت يعاني فيه القطاع الصحي من انهيار كامل، ونقص حاد في مقومات الرعاية الصحية الأساسية، وختامًا، أكد د. الفاتح أن هذه التطورات قد تقضي على ما تبقى من فرص لمكافحة الأمراض التي كانت تحت السيطرة، مما يزيد من معاناة الشعب السوداني في ظل الظروف الصحية الكارثية الحالية.
تفاقم الأزمة :
في وصف دقيق يكشف عمق الكارثة الصحية التي يمر بها السودان، أكدت د. أديبة إبراهيم السيد، عضو اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء السودانية فرعية أم درمان وعضو غرفة 15 أبريل، أن الوضع الصحي في البلاد وصل إلى مرحلة لا يمكن وصفها إلا بالكارثية. وأشارت إلى أن الأوضاع الصحية تدهورت بشكل غير مسبوق، في ظل تفشي الأوبئة التي أدت إلى تفاقم الأزمة، مع غياب مراكز العزل الفعالة، وانهيار النظام الصحي حيث خرجت معظم المستشفيات عن الخدمة في كافة ولايات السودان بنسبة تفوق الـ95%، نتيجة القصف المستمر من قبل الجيش واحتلال قوات الدعم السريع للمرافق الصحية.
وقالت د. أديبة في تصريحاتها المأساوية: لـ”كوشي”الوضع أصبح كارثياً، ولا ممرات آمنة للوصول إلى الخدمات الصحية. اضطرّت 57 منظمة تطوعية ودولية إلى الانسحاب من العمل في السودان، وأصبح الوضع في معسكرات النزوح لا يحتمل. نزحت الكوادر الطبية سواء داخل السودان أو خارجه، هرباَ من الموت والاعتقال أثناء تأدية عملهم الإنساني.” وأردفت : هذا الوضع المأساوي يعكس تدهورًا كبيرًا في قدرة النظام الصحي على مواجهة التحديات، مما يزيد معاناة المجتمع الذي يواجه صراعاً مريراً ضد كارثة صحية لا تنتهي. وأكدت د. أديبة أن الأطباء في السودان يعيشون مأساة حقيقية، حيث يتعرضون لانتهاكات جسيمة من طرفي النزاع، مثل القصف والاعتقال أثناء تأدية واجبهم الإنساني. وأشارت إلى أن حوالي 222 طبيبًا وطبيبة استشهدوا، بينما يقدر عدد الكوادر الصحية الذين استشهدوا بحوالي 164 فرداَ
وتحدثت عن المعاناة المتزايدة في معسكرات النزوح ومراكز الإيواء التي تشهد تكدسًا هائلًا للسكان، ما أدى إلى تفشي الأمراض بشكل غير مسبوق نتيجة لتدهور البيئة وتلوث المياه. وأكدت أن المجاعة المدمرة ونقص الأدوية، خاصة الأدوية المنقذة للحياة، أسهمت في ارتفاع معدلات الوفيات بين الأطفال، الأمهات الحوامل، وكبار السن في ظل غياب الرعاية الصحية اللازمة، كما أشارت إلى تفشي الأوبئة مثل حمى الضنك والكوليرا، حيث سجلت الفترة ما بين 15 يوليو و27 أكتوبر 244 حالة وفاة جراء حمى الضنك و146 حالة وفاة بالكوليرا، إلى جانب آلاف الحالات الموجبة. وأضافت أن أمراض سوء التغذية ونقص المناعة انتشرت على نطاق واسع، مما زاد من معاناة الأطفال والأمهات في مراكز النزوح.
وأكدت د. أديبة أن المستشفيات تعيش في حالة كارثية، حيث يعاني المرضى من نقص الأدوية الأساسية مثل أدوية مرضى الكلى والقلب، إضافة إلى انقطاع مستمر للكهرباء. كما لفتت إلى أن المحاليل الوريدية، التي يحتاجها مرضى الكوليرا بشكل يومي، غير متوفرة، مما يضاعف أعداد الوفيات في ظل غياب العلاج، كما تفاقمت الأزمة مع انعدام الأدوية المنقذة للحياة، مما يزيد من معاناة المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة مثل السكري وضغط الدم، بالإضافة إلى نقص حاد في أدوية غسيل الكلى. ولم تتوفر لقاحات في المرافق الصحية، مما يسهم في انتشار أمراض معدية بشكل غير مسبوق مثل البرجم والحصبة والحصبة الألمانية، فضلاً عن خطر شلل الأطفال الذي يهدد حياة العديد من الأطفال
ودعت د. أديبة السلطات السودانية إلى فتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية، وحثت المنظمات الدولية والإقليمية على التدخل الفوري لتقديم الدعم الطبي والإنساني. وفي ختام تصريحها، دعت إلى وقف فوري لهذه الحرب العبثية التي دمرت البلاد وأزهقت أرواح الأبرياء. كما شددت على ضرورة تكاتف الشعب السوداني في جبهة موحدة لإنهاء الصراع، مطالبة المجتمع الدولي بالضغط على أطراف النزاع لوقف الحرب بشكل عاجل.
.
حجم الدمار :
هذه التصريحات المأساوية تأتي في وقت يزداد فيه الوضع سوءًا، ويؤكد أن السودان يمر بأزمة صحية وإنسانية غير مسبوقة تتطلب تدخلًا عاجلًا من المجتمع الدولي لإنقاذ الأرواح قبل فوات الأوان، في تصريح مؤلم، أكدت رئيس اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء السودانيين، د. هبة عمر إبراهيم، لـ”كوشي نيوز” أن الوضع الصحي في السودان قد وصل إلى مستويات غير مسبوقة من السوء، ليصبح من بين الأسوأ على مستوى العالم. وأضافت أن ضحايا انهيار النظام الصحي في البلاد تجاوزوا كل التوقعات، مشيرة إلى أن الحرب المستمرة قد خلفت أكبر حصيلة من القتلى والجرحى في تاريخ النزاعات المسلحة، مما يعكس حجم الدمار الهائل الذي لحق بالقطاع الصحي.
وأوضحت د. هبة أن الاشتباكات المستمرة في العديد من الولايات قد أدت إلى تدمير شامل للمرافق الصحية، دون أي تدابير لحمايتها أو تأمين سلامة العاملين فيها. بل إن المستشفيات والمراكز الصحية تم احتلالها وتحويلها إلى ثكنات عسكرية، مما أسفر عن نهب محتوياتها واعتقال واختطاف وتعذيب الكوادر الطبية التي كانت تسعى لإنقاذ الأرواح.
كما أضافت أن العديد من الولايات تعيش تحت حصار تام، حيث لا تصلها أي إمدادات طبية أو غذائية، وتفتقر إلى المياه الصالحة للشرب. كما أن غياب وسائل التواصل قد أدى إلى عرقلة توثيق الأوضاع الإنسانية المتدهورة، مما يضاعف من معاناة المواطنين الذين يعيشون في ظلام تام منذ بداية النزاع. وفيما يتعلق بتوفير الرعاية الصحية في المناطق البعيدة عن الاشتباكات، أشارت د. هبة إلى إهمال شديد في توفير الخدمات الأساسية، حيث تُباع المعونات الإنسانية بأسعار مرتفعة تجعلها بعيدة عن متناول الفئات الأضعف في المجتمع، مما يزيد من تفاقم الأزمة الصحية.
وفيما يخص الاستعدادات لموسم الخريف، أكدت أن التحضيرات كانت غير كافية على الإطلاق، مما ساهم في تفشي الأوبئة والحميات بشكل غير مسبوق. كما أن انعدام المياه الصالحة للشرب وخدمات الصرف الصحي قد فاقم معاناة المواطنين، في وقت يعانون فيه من تكدس النفايات والأوساخ في شوارعهم، وأوضحت د. هبة أن الفيضانات والسيول التي ضربت الولايات الشمالية قد ساهمت في تفاقم الأوضاع الصحية، حيث شهدت المناطق زيادة كبيرة في حالات لدغات العقارب السامة، وسط غياب تام للأمصال اللازمة للوقاية والعلاج، ودعت إلى تضافر الجهود المدنية لوقف إطلاق النار فورًا وفتح الممرات الآمنة لتوصيل المساعدات الإنسانية إلى كافة المناطق المتضررة في السودان. وأشارت إلى أن الوضع الصحي في البلاد أصبح في غاية السوء، وأن استمرار النزاع يعرض حياة العديد من المدنيين للخطر، بما في ذلك الكوادر الطبية التي تعمل في ظروف مأساوية لإنقاذ الأرواح.
وأكدت د. هبة أن الوقت قد حان للتضامن الكامل من قبل المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية والصحية، مشيرة إلى أن الشعب السوداني في حاجة ماسة إلى الدعم العاجل من أجل تجاوز هذه المحنة. وأهابت بجميع شعوب العالم المحبة للسلام أن تتكاتف وتُسهم في تخفيف معاناة المدنيين، وأن تقدم يد العون للسودان الذي يواجه أزمة صحية وإنسانية غير مسبوقة، ودعت رئيس اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء جميع القوى المدنية في السودان للعمل معًا وبإصرار لوقف الحرب وإنهائها فوراً ، مؤكدة أن السلام هو السبيل الوحيد لإنقاذ الأرواح وبدء عملية التعافي وإعادة بناء البلاد. وأضافت أن السودان بحاجة اليوم إلى كل يدٍ تمتد من أجل المساعدة في إنهاء معاناته، والتخفيف من آثار هذا النزاع الذي لا يرحم.
اختتمت د. هبة بيانها بالتأكيد على ضرورة تكاتف جميع الجهود الدولية والمحلية لإنقاذ السودان، داعية إلى نهاية فورية لهذه الحرب المدمرة التي تستنزف الأرواح والموارد، وتترك الشعب السوداني في معاناة يومية.
.:




