أعمدة الرأي

د. محمد ضوالبيت يكتب

من رصد للفقر إلى صناعة الحلول … حوجة الخرطوم لمركز متخصص أصبح ضرور ةmohammed.daw030387@gmail.com

لم يعد الفقر في ولاية الخرطوم مجرد قضية اجتماعية يمكن التعامل معها عبر المساعدات المباشرة والبرامج المؤقتة التي تطرأ من حين لاخر، بل أصبح تحدياً متعدد الأبعاد يتطلب فهماً علمياً لأسبابه وقياساً دقيقاً لمستوياته ومعرفة بتوزيعه الجغرافي والاجتماعي وصولاً إلى سياسات تستجيب لاحتياجات السكان وتواكب التحولات التي فرضتها الحرب، ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء مركز متخصص لدراسة الفقر والسياسات الاجتماعية بولاية الخرطوم ليكون مرجعية علمية تسهم في تشخيص الواقع وتوفير البيانات وتحليل الظواهر المرتبطة به وتقديم المقترحات التي تساعد صانعي القرار على وضع برامج أكثر كفاءة واستدامة، فالحرب أحدثت تحولات عميقة في البنية الاجتماعية والاقتصادية للولاية إذ فقدت أسر كثيرة مصادر دخلها وممتلكاتها وتغيرت أنماط المعيشة والعمل وظهرت احتياجات جديدة لدى فئات كانت مستقرة نسبياً قبل الحرب هذا الواقع يجعل الاعتماد على البيانات القديمة أو التقديرات العامة غير كافٍ لتحديد حجم المشكلة أو ترتيب أولويات التدخل
لا تقتصر مهمة المركز المقترح على إجراء الدراسات وإعداد التقارير فقط بل ينبغي أن تمتد إلى بناء قاعدة بيانات اجتماعية متجددة وإجراء المسوحات الميدانية وتحديد مؤشرات الفقر والهشاشة بجانب دراسته للفوارق بين المحليات والمناطق وتحليل العلاقة بين الفقر والبطالة والتعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية، كما يمكن للمركز أن يضطلع بدور استشاري في تقييم برامج مكافحة الفقر وقياس أثر المساعدات والمشروعات الإنتاجية التي تقدمها الدولة والمنظمات وتحديد التدخلات الأكثر جدوى فضلاً عن إعداد أوراق السياسات التي تساعد المؤسسات الحكومية والمنظمات الوطنية والشركاء على توجيه مواردهم نحو الأولويات الحقيقية، ولتحقيق هذه الغايات تبرز أهمية بناء شراكات مؤسسية مع الجامعات ومراكز البحوث والمنظمات الوطنية والدولية والاستفادة من تخصصات الاقتصاد وعلم الاجتماع والإحصاء والتخطيط والسياسات العامة ومن شأن هذه الشراكات أن تحول المركز إلى مساحة تجمع بين البحث العلمي والتطبيق العملي وتربط المعرفة باحتياجات المجتمع.
يمكن أن يبدأ المركز عمله تحت مظلة حكومة الولاية لضمان ارتباطه بأولويات الولاية مع تمتعه بالاستقلالية المهنية اللازمة لإجراء البحوث وتقديم النتائج والتوصيات الموضوعية والعمل تدريجياً على توسيع شراكاته العلمية والبحثية.
إن الاستثمار في دراسة الفقر ليس ترفاً أكاديمياً بل ضرورة لتقليل كلفة القرارات غير المبنية على معلومات دقيقة وتحسين كفاءة استخدام الموارد وتعزيز العدالة في توزيع الخدمات والفرص، فالخرطوم لا تحتاج إلى معرفة عدد الفقراء فحسب وإنما إلى فهم أسباب الفقر وتحديد الفئات الأكثر تضرراً واكتشاف الإمكانات المتاحة للخروج منه، ومن هنا يمكن أن يشكل إنشاء مركز متخصص لدراسة الفقر خطوة استراتيجية نحو بناء سياسات اجتماعية أكثر استجابة ووضع أسس علمية للتعافي والتنمية المستدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى