شرعية بلا جذور حين تتقدم الألقاب ويتراجع صوت الجماهير

زين العابدين الطيب عثمان… يكتب
أزمة القيادة بين غياب الشرعية وبريق الألقاب
في لحظة فارقة من تاريخ السودان تتكشف أزمة حقيقية في بنية القيادة السياسية لا تتعلق فقط بتعدد الفاعلين أو تباين الرؤى بل تمتد إلى جوهر من يتقدمون لتمثيل الناس والتحدث باسمهم
ففي المشهد الراهن تبرز ظاهرة مقلقة تتمثل في صعود شخصيات إلى واجهة العمل السياسي دون أن تمتلك الحد الأدنى من الخبرة التراكمية أو التجربة النضالية أو الامتداد الجماهيري الحقيقي وهو ما يعكس خللا عميقا في معايير الاختيار وآليات إنتاج القيادة داخل الفضاء السياسي
لم يعد خافيا أن بعض هذه النماذج يجري تسويقها تحت لافتة الخبرة الدولية وكأن مجرد العمل في منظمات أو مؤسسات خارجية يمنح صاحبه تلقائيا أهلية القيادة الوطنية بينما الواقع أكثر تعقيدا من ذلك بكثير فالخبرة الدولية مهما بلغت لا يمكن أن تكون بديلا عن الفهم العميق لتعقيدات الواقع السوداني ولا عن القدرة على إدارة توازناته الاجتماعية والسياسية الدقيقة
بل إن التجربة تشير إلى أن كثيرا ممن يتم تقديمهم بهذه الصفة لم يتجاوز دورهم حدود الوظائف التنفيذية الاعتيادية داخل تلك المؤسسات دون أن يتركوا أثرا نوعيا في صنع القرار أو توجيه السياسات وهو ما يجعل تضخيم هذه الخلفيات وتحويلها إلى رصيد سياسي نوعا من التضليل الذي يضر بالوعي العام ويضعف ثقة الجماهير في القيادات المطروحة
وما يزيد من تعقيد المشهد هو ذلك التناقض بين الخطاب والممارسة حيث يظهر بعض هؤلاء عند التعامل مع المؤسسات الدولية بمظهر يفتقر إلى الندية والاستقلالية رغم ادعاء الشراكة والانتماء وهو ما يعكس أزمة ثقة وتأهيل لا يمكن تجاهلها عند تقييم الأهلية القيادية
غير أن جوهر الأزمة يتجاوز مسألة الخبرة إلى ما هو أعمق وهو غياب الارتباط الحقيقي بالجماهير فالقيادة في معناها الجوهري لا تستمد شرعيتها من الألقاب ولا من الحضور الإعلامي بل من قدرتها على التفاعل المباشر مع الناس والاستماع إليهم وفهم أولوياتهم وتحويل تطلعاتهم إلى برامج قابلة للتنفيذ
إن الجماهير ليست مجرد كتلة يتم استدعاؤها عند الحاجة بل هي شريك أصيل في صناعة القرار وصياغة المستقبل وأي قيادة تنفصل عن هذا المعنى تفقد مبرر وجودها مهما امتلكت من أدوات الخطاب أو الظهور
وفي هذا السياق تتجلى إشكالية أخرى لا تقل خطورة تتمثل في تحويل الألقاب الأكاديمية وعلى رأسها لقب دكتور إلى مدخل شبه تلقائي للقيادة السياسية وهو خلط واضح بين القيمة العلمية المشروعة ومتطلبات العمل العام التي تقوم أساسا على الخبرة الميدانية والقدرة على التنظيم والتواصل وبناء الثقة
فالعلم قيمة عظيمة لكنه لا يمنح تفويضا جماهيريا ولا يعوض غياب التجربة ولا يصنع قائدا في حد ذاته بل إن الإفراط في التعويل على الألقاب قد يؤدي إلى إقصاء كفاءات حقيقية صنعت خبرتها وسط الناس وفي ميادين العمل العام
وعندما تصبح الألقاب معيارا ضمنيا للصعود السياسي فإن النتيجة الطبيعية هي تعميق الفجوة بين النخب والجماهير وإعادة إنتاج ذات الأزمة التي عطلت تطور الحياة السياسية لسنوات طويلة
كما أن الزعم بأن بعض القيادات صنعت أو دعمت من قبل جهات أو مؤسسات خارجية يطرح تساؤلات جوهرية حول الاستقلالية الوطنية وحدود التأثير الخارجي في تشكيل النخب وهو أمر لا يمكن فصله عن مستقبل أي مشروع ديمقراطي حقيقي
الوطن لا يحتاج إلى قيادات تحمل ألقابا بل إلى قيادات تحمل مسؤولية
قيادات تنتمي بصدق وتخدم بإخلاص وتضع مصلحة الناس فوق كل اعتبار
في مواجهة هذه الاختلالات تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف القيادة الوطنية باعتبارها التزاما أخلاقيا قبل أن تكون موقعا سياسيا فالوطن يحتاج إلى قيادات تمتلك وعيا عميقا بالمسؤولية الوطنية وانتماء حقيقيا يتجسد في الفعل لا في الادعاء وتدرك أن مسؤوليتها تجاه الوطن والمواطن تفرض أعلى درجات الشفافية ونكران الذات
فالقيادة ليست امتيازا بل تكليف ثقيل يقوم على خدمة الناس وتقديم المصلحة العامة فوق كل اعتبار وهي في جوهرها علاقة ثقة متبادلة لا تبنى بالشعارات بل بالفعل المستمر والتفاعل الحقيقي مع قضايا المجتمع
إن الدول التي تسعى إلى بناء مسار ديمقراطي راسخ لا يمكن أن تقوم إلا على قيادات تستمد شرعيتها من قواعدها الاجتماعية ومن تاريخها النضالي ومن قدرتها على التعبير عن تطلعات شعبها لا من روابط وظيفية عابرة أو أطر خارجية
وفي السياق السوداني تحديدا يصبح هذا الشرط أكثر إلحاحا في ظل التعقيدات التي تمر بها البلاد حيث لم يعد مقبولا استمرار إنتاج نماذج قيادية معزولة عن واقعها أو ضعيفة الصلة بجماهيرها
إن العمل العام ليس ساحة للتجريب ولا منصة لتجميل السير الذاتية بل مسؤولية تتطلب خبرة وتراكما وقدرة على اتخاذ القرار في لحظات التعقيد إضافة إلى مهارة الإصغاء للناس والتفاعل معهم بصورة مستمرة ومؤسسية
في النهاية فإن مستقبل السودان لن تصنعه الألقاب ولا الواجهات بل تصنعه قيادات حقيقية تمتلك الرؤية والخبرة والارتباط الصادق بالجماهير وقادرة على تحويل إرادتهم إلى برامج واقعية قابلة للتنفيذ
أما الاستمرار في إنتاج وتقديم نماذج تفتقر إلى هذه المقومات فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وإطالة أمد الانتقال وتعقيد الطريق نحو دولة تقوم على الكفاءة والمصداقية والاحترام الوطني.
