شيء للوطن

م.صلاح غريبة… يكتب
Ghariba2013@gmail.com
ذاكرة لا تُسرق: انتصار الهوية
في لحظات الصراع الكبرى، لا تقتصر المعارك على حدود الأرض وخطوط النار فحسب، بل تمتد لتطال “الروح الوطنية” المتمثلة في التاريخ والموروث. وما أعلنه وزير الثقافة والإعلام والسياحة السوداني، الأستاذ خالد الإعيسر، عن استعادة 570 قطعة أثرية منهوبة، ليس مجرد خبر بروتوكولي عن عودة مقتنيات حجرية أو ذهبية، بل هو إعلان عن استرداد جزء من السيادة الوطنية المسلوبة، وانتصار حاسم في معركة الوعي والوجود.
حين استهدفت المليشيا المتمثلة في قوات الدعم السريع وأعوانها المتاحف والمواقع الأثرية، لم يكن دافعها السرقة المادية وتجارة الآثار فحسب، بل كان الهدف الأعمق هو “تفكيك الهوية”. إن محاولات الإحلال والإبدال والتغيير الديمغرافي التي أشار إليها الوزير لا تكتمل إلا بمحو “الذاكرة الإنسانية المتراكمة”. فعندما يفقد الشعب اتصاله بجذوره التي تمتد لما قبل التاريخ وصولاً إلى العصر الحديث، يصبح جسداً بلا روح، ويسهل حينها إعادة تشكيل وعيه وتزييف واقعه.
لذا، فإن عودة هذه القطع الـ 570 هي بمثابة ترميم للوجدان السوداني الذي تعرض لمحاولة تمزيق ممنهجة. هي رسالة لكل من حاول “بيع” تاريخ السودان في أسواق النخاسة الدولية: “أنّ لهذا الإرث حراساً لا ينامون”.
من اللافت والمبشر في هذا الإنجاز هو ذلك التعاون الوثيق بين وزارة الثقافة وجهاز المخابرات العامة. هذا “الاختراق النوعي” يثبت أن الأمن القومي السوداني مفهوم شامل، لا ينفصل فيه تأمين الحدود عن تأمين المتاحف. العمل في “سرية تامة” لاستعادة هذه المقتنيات يعكس احترافية عالية وتقديرًا لمفهوم “الأمن الثقافي”.
إن حماية الآثار في أوقات الحروب هي واحدة من أعقد المهام، وما تحقق يضع السودان أمام مرحلة جديدة من “تعزيز السيادة الوطنية”، حيث تصبح القطعة الأثرية مساوية في قيمتها السيادية للتراب الوطني.
اختيار شعار (ختامه مسك) لفعالية بورتسودان يحمل دلالة رمزية قوية. فبينما تحاول القوى التخريبية تصوير السودان كدولة منهارة، تأتي هذه الخطوة لتؤكد تماسك مؤسسات الدولة وقدرتها على الفعل والإنجاز حتى في أصعب الظروف.
إن هذه الفعالية هي دعوة للاحتفاء بالذات السودانية، وتذكير للعالم بأن هذا الشعب الذي شيد الحضارات العريقة يملك القدرة على حماية إرثه واستعادته مهما بلغت شدة الاستهداف.
إن استعادة 570 قطعة أثرية هي خطوة أولى في طريق طويل لاسترداد كل ما نُهب من ذاكرتنا. إنها دعوة لكل سوداني ليفخر بهويته، ولدعم جهود الدولة في صون هذا الإرث. إننا لا نستعيد مجرد “قطع صماء”، بل نستعيد حكايات أجدادنا، ونبني جداراً منيعاً يحمي أجيالنا القادمة من الضياع في تيه التغريب أو التشويه الممنهج.
السودان، بتاريخه الضارب في القدم، يبقى عصياً على المحو، وما هذه “الاختراقات النوعية” إلا برهان جديد على أن الحق لا يموت ما دام وراءه مُطالب.

