أعمدة الرأي

شيء للوطن


م.صلاح غريبة … يكتب
Ghariba2013@gmail.com
بارا: عودة الروح لعروس الرمال

لم تكن “بارا” يوماً مجرد إحداثيات جغرافية على خريطة ولاية شمال كردفان، بل هي قطعة من الوجدان، وذاكرة محتشدة بجمال النخيل وعذوبة المياه وخضرة “الجنان” التي تسر الناظرين. اليوم، ومع انبلاج فجر الخامس من مارس 2026، لم يأتِ خبر تحريرها على يد القوات المسلحة والقوات المساندة كحدث عسكري عابر، بل جاء كنشيد استرداد الكرامة، و بلسم لجراح مدينة سكنت القلوب قبل أن نسكنها.
بارا مدينة في الذاكرة والوجدان ولي معها حكايات لا تنتهي؛ هي تلك المدينة التي زرتها مراراً وتكراراً، وفي كل مرة كانت تدهشني بطيبة أهلها وكرمهم المتأصل. لي فيها أصدقاء هم بمثابة الأهل، ومعارف يفيضون نبلاً. كنت أرى في عيونهم دائماً ذلك الصمود الكردفاني الأصيل، واليوم، وأنا أقرأ بيان النصر، أستحضر وجوههم واحداً تلو الآخر، وأتخيل فرحة العودة إلى “سواقي” بارا، واستنشاق هواء “البشيري” النقي بعيداً عن دنس المليشيات.
لقد جاء تحرير بارا “عنوة واقتداراً” ليؤكد أن العهد الذي قطعته القوات المسلحة لشعبها ليس مجرد شعارات، بل هو واقع يسطر بالدم والعرق. إن دحر مليشيا “آل دقلو” الإرهابية من هذه البقعة الطاهرة، وتكبيدهم تلك الخسائر الفادحة في الأرواح والعتاد، يرسل رسالة واضحة لكل من تسول له نفسه العبث بأمن السودان: أن الأرض التي ارتوت بدماء الشهداء لا تقبل التدنيس.
إن هذا الانتصار ليس مجرد استعادة لموقع استراتيجي، بل هو كسر لشوكة العمالة وتأكيد على فشل مشروع التمزيق، وخطوة حاسمة في طريق التطهير الشامل لكل شبر من أرض الوطن، ووفاء القسم الذي أقسمه الجنود بحماية الأرض والعرض.
ما كان لهذا النصر أن يتحقق لولا ذلك التلاحم الأسطوري بين الشعب وقواته المسلحة. إن صبر أهلنا في بارا، وتحملهم لأوجاع النزوح أو وطأة الاحتلال، كان هو الوقود الذي أشعل حماس المقاتلين في الميدان. لقد أثبت السودانيون مجدداً أنهم خلف جيشهم صفاً واحداً، لا تفرقهم الفتن ولا ترهبهم الآلات.
ختاماً، إننا إذ نهنئ أنفسنا وأهلنا في بارا بهذا الفتح المبين، نترحم على الشهداء الذين مخروا بدمائهم عباب هذا النصر، ونسأل الله العافية للجرحى. بارا اليوم تعود لحضن الوطن، تعود لتغسل وجهها بمياه آبارها العذبة، وتستعد لاستقبال أحبتها الذين اشتاقت لهم واشتاقوا لها.
“نصرٌ من الله وفتحٌ قريب”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى