أعمدة الرأي

.عبدالله عجلون…يكتب *أساتذة الجامعات بين إهانة الدولة ورفاهية الخريجين … من ينصفهم قبل إضراب نهاية مارس:2026م

في كل الدول التي تدرك قيمة العلم والمعرفة يُنظر إلى الأستاذ الجامعي بأعتباره حجر الزاوية في بناء الدولة الحديثة، فهو الذي يصنع الرئيس والوزير والوالي و الطبيب والمهندس و الإقتصادي والقاضي و المحامي والإداري، وهو الذي يزرع في الأجيال منهج التفكير والمعرفة، غير أن المفارقة المؤلمة في السودان اليوم أن الأستاذ الجامعي يعيش ظروفاً معيشية قاسية لا تليق بمكانته العلمية وقد زادت حرب الخامس عشر من أبريل 2023م الطين بِلة، بينما يتمتع كثير من خريجيه بفرص عيش أفضل ورواتب أعلى ومكانة اجتماعية أرفع،
هذه المفارقة لم تعد مجرد شكوى عابرة داخل أروقة الجامعات،َ بل تحولت إلى قضية رأي عام بعد أن ظل ملف الهيكل الراتبي لأساتذة الجامعات معلقاً دون إجازة وتطبيق، رغم ما يحمله من آمال لمعالجة التشوهات الكبيرة في أجور أعضاء هيئة التدريس.
لقد تآكلت رواتب الأساتذة بفعل ارتفاع معدل التضخم و قلة الإيرادات، حتى أصبح كثير منهم عاجزاً عن توفير متطلبات الحياة الأساسية، وفي المقابل يعمل عدد كبير من خريجيهم في مؤسسات داخل السودان أو خارجه برواتب تفوق بكثير ما يتقاضاه الأستاذ الذي علمهم وصقل قدراتهم الإكاديمية والمعرفية.

إن الأزمة هنا لا تتعلق فقط بالأجور بل تتعلق أيضاً بمكانة العلم في سلم أولويات الدولة، ولذلك فإن المسؤولية لا تقع على جهة واحدة، بل تمتد إلى أعلى هرم القيادة في البلاد.
فالقضية اليوم تطرق أبواب رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، ورئيس مجلس الوزراء، ووزير التعليم العالي، ومديري الجامعات الحكومية لأن إستمرار هذا الوضع يهدد إستقرار منظومة التعليم العالي برمتها.
لقد أعلن الأساتذة عن إضراب مرتقب في نهاية شهر مارس عبر لجنة (لاجسو) وهو تطور يعكس حجم الإحتقان داخل الوسط الأكاديمي. وإذا حدث هذا الإضراب فإنه لن يكون مجرد توقف عن التدريس بل رسالة إحتجاج قوية من شريحة علمية طال إنتظارها للإنصاف.
وفي ظل الظروف الإستثنائية التي تمر بها البلاد يصبح الحفاظ على إستقرار الجامعات أمراً بالغ الأهمية.
فالسودان في حاجة ماسة إلى العقول العلمية لإدارة مرحلة التعافي وإعادة الإعمار والبناء، ولا يمكن تحقيق ذلك إذا ظل صُنّاع هذه العقول يعيشون في ضيق معيشي وإحباط مهني دائم.
أشير هنا إن المسؤولية مشتركة فالدولة مطالبة بإجازة الهيكل الراتبي وإعادة الإعتبار للأستاذ الجامعي، ووزارة التعليم العالي مطالبة بالدفاع عن قضايا أساتذتها بجدية، كما أن إدارات الجامعات الحكومية مطالبة بأن تكون صوتاً قوياً لهيئة التدريس لا مجرد إدارات تنفيذية صامتة لا تحرك ساكنا.
فالأستاذ الجامعي لا يطلب إمتيازات إستثنائية بل يطالب فقط بحياة كريمة تتناسب مع دوره العلمي. وهذا الدور لا يمكن التقليل من شأنه لأن مستقبل أي دولة يبدأ من قاعة الدرس ومن عقل الأستاذ الذي يقف أمام طلابه كل يوم.

ختاماً إن إهانة الأستاذ الجامعي ليست إهانة لشخصه فحسب بل إهانة للعلم و للمستقبل الوطني بأكمله، وقبل أن يحل إضراب نهاية مارس، يبقى السؤال موجهاً إلى قيادة الدولة ومؤسساتها: هل يتم إنصاف أساتذة الجامعات وإجازة هيكلهم الراتبي، أم تظل قاعات الدرس شاهدة على صمتٍ ثقيل يعكس أزمة أعمق في تقدير العلم وأهله؟
اللهم إني قد بلغت فاشهد
فتكم بعااافية…نواصل@
الأربعاء:12/مارس/2026 م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى